تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِـَٔابَآئِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴿٥﴾
مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٥]، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ إذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن ﴿كَلِمَةً﴾ تمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]؟
الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط ﴿إِنْ كَانَ﴾، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس ٩٤].
هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهل لنا أن نستفيد من قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!
هذا غير ممكن، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما يقولون.
ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.
فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟
* طالب: كذب.
* الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟
أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.
الشاهد من الحديث: هو أن النبي ﷺ أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.