تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴿٣﴾
وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾
وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴿٥﴾
وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي: في القَبول؛ بمعنى: ولنْ أقبلَ غير عبادتي، ولنْ أقبلَ عبادتكم، وأنتم كذلك لنْ تقبلوا. فتكون الجملةُ الأولى عائدةً على الفِعل، والجملةُ الثانية عائدةً على القَبول والرضا؛ يعني: لا أعبده ولا أرضى به، وأنتم كذلك لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته. وهذا القول إذا تأمَّلتَه لا يَرِدُ عليه شيءٌ من (...) السابقة، فيكون قولًا حسنًا جيِّدًا.
ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ لغير فائدةٍ إطلاقًا، ليس فيه شيءٌ مكرَّرٌ إلا وله فائدة؛ لأننا لو قُلنا: إن في القرآن شيئًا مكرَّرًا بدون فائدة لَكان في القرآن ما هو لَغْوٌ، وهو مُنَزَّهٌ عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ١٣] وفي سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] ليس ليس ذا فائدة، بلْ هو تكرارٌ لفائدةٍ عظيمةٍ؛ وهي أنَّ كُلَّ آيةٍ مما بين هذه الآية المكرَّرة فإنها تشتمل على نِعَمٍ عظيمةٍ وآلاءٍ جسيمةٍ، ثُمَّ إنَّ فيها من الفائدة اللفظية تنبيه المخاطَب؛ حيث يُكرَّر عليه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ويُكرَّر عليه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.