×

قريش

الآيات ٣–٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَلْيَعْبُدُوا۟ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ﴿٣﴾

ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ ﴿٤﴾

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ ثم تقول: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾؛ لأنك لو وصَلْتَ فقلت: ﴿رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ﴾ لظنَّ السامعُ أن ﴿الَّذِي﴾ صفةٌ لـ﴿الْبَيْتِ﴾، وهذا بعيدٌ من المعنى ولا يستقيم به المعنى. ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ بيَّنَ الله تعالى نعمته عليهم، النعمةَ الظاهرةَ والباطنةَ؛ فإطعامهم من الجوع وقايةٌ من الهلاك في أَمْرٍ باطنٍ وهو الطعام الذي يأكلونه، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقايةٌ من الخلاف في الأمر، أيش؟ الظاهر؛ لأن الخوف ظاهرٌ؛ إذا كانت البلادُ مَحُوطةً بالعدوِّ خاف أهلُها وامتنعوا عن الخروج وبقوا في ملاجئهم، فذكَّرهم الله بهذه النعمة؛ ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، وآمَنُ مكانٍ في الأرض هو مكة، هي آمَنُ مكانٍ في الأرض، ولذلك لا يُقطَع شَجَرُها، ولا يُحشُّ حشيشُها، ولا تُلْتقَط ساقطتُها، ولا يُصَادُ صيدُها، ولا يُسْفَك فيها دمٌ، وهذه الخصائص لا توجد في البلاد الأخرى، حتى المدينة محرَّمةٌ ولها حَرَمٌ لكنَّ حَرَمَها دون حَرَمِ مكَّة بكثير؛ حَرَمُ مكة لا يمكن يأتيه أحدٌ من المسلمين لم يأته أوَّلَ مرَّةٍ إلا مُحْرِمًا، يجب عليه أن يُحْرِم، والمدينةُ ليست كذلك، حَرَمُ مكة يَحْرُم حشيشُه وشَجَرُهُ مُطْلقًا، وأمَّا حَرَمُ المدينة فرُخِّص في بعض شَجَرِهِ للحرث ونحوه، صَيْد مكة حرامٌ وفيه الجزاء، وصَيْد المدينة ليس فيه الجزاء، المهِمُّ أن أعظم مكانٍ آمِنٍ هو مكة، حتى الأشجارُ آمِنَةٌ فيه، وحتى الصيود آمِنَةٌ فيه، ولولا أن الله تعالى يسَّرَ على عباده لكان حتى البهائم؛ يعني قصدي حتى بهيمة الأنعام التي ليست صيودًا، لكن الله تعالى رَحِم العبادَ وأَذِنَ لهم أن يذبحوا وينحروا في هذا المكان، وهذه النعمة ذكَّرهم الله بها في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]؛ يعني أفلا يشكرون الله على هذا؟! فهذه السورة كما ترى كلُّها تذكيرٌ لقريشٍ بما أنعم الله عليهم في هذا البيت العظيم، وفي الأمن من الخوف، وفي الإطعام من الجوع. فإذا قال قائل: ما واجبُ قريش نحو هذه النعمة؟ وكذلك ما واجبُ مَن حَلَّ في مكة الآن من قريش أو غيرهم؟ قُلنا: الواجبُ الشكرُ لله تعالى بالقيام بطاعته بامتثال أَمْره واجتناب نهيه، ولهذا إذا كَثُرت المعاصي في الحرم فالخطرُ على أهله أكثرُ من الخطر على غيرهم؛ لأن المعصية في مكانٍ فاضلٍ أعظمُ من المعصية في مكانٍ مفضولٍ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]، فتوعَّد الله تعالى مَن أراد فيه؛ أي: مَن هَمَّ فيه بإلحادٍ فضلًا عمَّن أَلْحَدَ. والواجب على المرء أن يَذْكر نعمةَ الله عليه في كلِّ مكانٍ لا في مكة فحسْب، بلادنا -ولله الحمد- اليوم مِن آمَنِ بلاد العالَم، وهي مِن أشدِّ بلاد العالَم رَغَدًا وعَيْشًا، أطْعَمَنا الله تعالى من الجوع وآمَنَنا من الخوف، فعلينا أنْ نشكر هذه النعمة، وأنْ نتعاون على البِرِّ والتقوى، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الدعوة إلى الله على بصيرةٍ وتأنٍّ وتَثَبُّتٍ، وأن نكون إخوةً متآلفين. والواجب علينا -ولا سِيَّما على طَلَبة العلم- إذا اختلفوا بينهم أنْ يجلسوا للتشاور وللمناقشة الهادئة التي يُقصَد منها الوصولُ إلى الحقِّ، ومتى تبيَّن الحقُّ لإنسانٍ وَجَبَ عليه اتِّباعُه، ولا يجوز أن ينتصر لرأيه؛ لأنه ليس مُشَرِّعًا معصومًا حتى يقول: إن رأيي هو الصواب وإن ما عداه فهو الخطأ، الواجب على الإنسان المؤمن أن يكون كما أراد الله منه؛ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦]، أمَّا كون الإنسانِ ينتصر لرأيه ويُصِرُّ على ما هو عليه ولو تبيَّن له أنه باطل فهذا خطأٌ، هذا من دَأْب المشركين الذين أَبَوْا أن يتَّبعوا الرسول وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]. نسأل الله أن يُديم علينا وعليكم نعمة الإسلام والأمن في الأوطان، وأن يجعلنا إخوةً متآلفين على كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.