×

التكاثر

الآية ١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ أَلْهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ ﴿١﴾

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. نفتتح هذا اللِّقاء بما انتهينا إليه من تفسير جُزءِ سورة النبأ حيث وصلْنا إلى سورة التكاثر. يقول الله عز وجل: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] هذه الجملة جملةٌ خبريَّة يُخبر الله عز وجل بها العباد مخاطبًا لهم يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ومعنى ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ أي: شَغَلَكم حتى لَهَوْتم عمَّا هو أهمُّ من ذِكْر الله تعالى والقيام بطاعته، والخطاب هنا لجميع الأُمَّة، إلا أنه يُخصَّص بمن شَغَلَتْهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهُم قليل، وإنما نقول: هُم قليل؛ لأنه ثَبَت في الصحيحين «أنَّ الله تبارك وتعالى يقول يوم القيامة: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ»[[أخرج البخاري (٤٧٤١) واللفظ له، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم. يقول: لبَّيك ربَّنا وسعدَيْك. فيُنادى بصوت: إنَّ الله يأمرك أن تُخرِج من ذرِّيتك بعثًا إلى النار. قال: يا رب، وما بعثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ -أراه قال- تسع مئة وتسعة وتسعين...» الحديث.]]. واحدٌ في الجنَّة والباقي في النار، وهذا عددٌ هائلٌ؛ إذا لم يكن من بني آدم إلا واحدٌ من الألْف من أهل الجنة والباقون من أهل النار إذَنْ فالخطاب بالعموم في مِثْل هذه الآية جارٍ على أَصْله؛ لأن الواحد من الألْف ليس بشيء بالنسبة إليه. وأمَّا قوله: ﴿التَّكَاثُرُ﴾ فهو يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، وبكلِّ ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدلُّ لذلك قولُ صاحب الجنة لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف ٣٤]، فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الآخَر مالًا وأوسعَ تجارةً، وقد يتكاثر الإنسانُ بقبيلته يقول: نحن أكثر منهم عددًا، كما قال الشاعر: وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــــا الْــعِـــــــــزَّةُلِلْـــــكَــــــــاثِرِ (أَكْثر منهم حصًى) لأنهم كانوا فيما سبق يعدُّون الأشياء بالحصى؛ فمَثَلًا: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف، والآخَرون حصاهم ثمانية آلاف صار الأول أيش؟ أَكْثرَ وأَعَزَّ، فيقول الشاعر: وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ∗∗∗ وَإِنَّمَـــــــا الْـــعِــــــــزَّةُلِلْــــكَـــــــاثِرِ كذلك يتكاثر الإنسانُ بالعِلم فتجده يَفْخر على غيره بالعِلم، لكنْ إنْ كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإنْ كان بالعلم غير الشرعي فهو إمَّا مباحٌ وإمَّا محرَّمٌ، المهم أنَّ مِمَّا يقع فيه التكاثر العِلم، وهذا هو الغالب على بني آدم؛ التكاثر، فيتكاثرون في هذه الأمور عمَّا خُلِقوا له من عبادة الله عز وجل. وقوله: ﴿