أضواء البيان — الشنقيطي
لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ .
وَهَذا هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ، والتَّقْوِيمُ التَّعْدِيلُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]، وأحْسَنُ تَقْوِيمٍ شامِلٌ لِخَلْقِ الإنْسانِ حِسًّا ومَعْنًى أيْ شَكْلًا وصُورَةً وإنْسانِيَّةً، وكُلُّها مِن آياتِ القُدْرَةِ ودَلالَةِ البَعْثِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎دَواؤُكَ مِنكَ ولا تَشْعُرُ وداؤُكَ مِنكَ ولا تُبْصِرُ
؎وَتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرُ ∗∗∗ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الكَبِيرُ
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى خَلْقَهُ ابْتِداءً مِن نُطْفَةٍ فَعَلَقَةٍ إلى آخِرِهِ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٣٤ - ٤٠] .
وَكَذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ التَّنْبِيهُ عَلى البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] .
أمّا الجانِبُ المَعْنَوِيُّ فَهو الجانِبُ الإنْسانِيُّ، وهو المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ عَلى ما قَدَّمْنا هُناكَ، مِن أنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ هي مَناطُ التَّكْلِيفِ، وهو الجانِبُ الَّذِي بِهِ كانَ الإنْسانُ إنْسانًا، وبِهِما كانَ خَلْقُهُ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ونالَ بِذَلِكَ أعْلى دَرَجاتِ التَّكْرِيمِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] .
والإنْسانُ وإنْ كانَ لَفْظًا مُفْرَدًا إلّا أنَّهُ لِلْجِنْسِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: ٥ - ٦]، وهَذا مِثْلُ ما في سُورَةِ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٦]، فَبِاسْتِثْناءِ الجَمْعِ مِنهُ، عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ.
والتَّأْكِيدُ بِالقَسَمِ المُتَقَدِّمِ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ يُشْعِرُ أنَّ المُخاطَبَ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، مَعَ أنَّ هَذا أمْرٌ مَلْمُوسٌ مَحْسُوسٌ، لا يُنْكِرُهُ إنْسانٌ.
وَقَدْ أجابَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَلى ذَلِكَ: بِأنَّ غَيْرَ المُنْكِرِ إذا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلاماتُ الإنْكارِ، عُومِلَ مُعامَلَةَ المُنْكِرِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎جاءَ شَقِيقٌ عارِضًا رُمْحَهُ ∗∗∗ وإنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحُ
وَأماراتُ الإنْكارِ عَلى المُخاطَبِينَ، إنَّما هي عَدَمُ إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لَوْ تَأمَّلَ خَلْقَ الإنْسانِ، لَعَرَفَ مِنهُ أنَّ القادِرَ عَلى خَلْقِهِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ.
وَهَذِهِ المَسْألَةُ أفْرَدَها الشَّيْخُ في سُورَةِ الجاثِيَةِ بِتَنْبِيهٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤]، وتَكَرَّرَ هَذا البَحْثُ في عِدَّةِ مَواضِعَ، وأصْرَحُ دَلالَةٍ عَلى هَذا المَعْنى ما جاءَ في آخِرِ يس: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُوهِمُ أنَّ الإنْسانَ يُنْكِرُ أنَّ رَبَّهُ خَلَقَهُ، لِما تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي مِن أنَّ خالِيَ الذِّهْنِ مِنَ المُتَرَدِّدِ، والإنْكارُ لا يُؤَكَّدُ لَهُ الكَلامُ، ويُسَمّى ذَلِكَ ابْتِدائِيًّا، والمُتَرَدِّدُ يَحْسُنُ التَّوْكِيدُ لَهُ بِمُؤَكِّدٍ واحِدٍ، ويُسَمّى طَلَبِيًّا، والمُنْكِرُ يَجِبُ التَّوْكِيدُ لَهُ بِحَسَبِ إنْكارِهِ، ويُسَمّى إنْكارِيًّا.
واللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أكَّدَ إخْبارَهُ بِأنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، بِأرْبَعَةِ أقْسامٍ، وبِاللّامِ، وبِقَدْ، فَهي سِتَّةُ تَأْكِيداتٍ، وهَذا التَّوْكِيدُ يُوهِمُ أنَّ الإنْسانَ مُنْكِرٌ، لِأنَّ رَبَّهُ خَلَقَهُ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخْرى صَرِيحَةٌ في أنَّ الكُفّارَ يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُهم، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] .
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: هو ما حَرَّرَهُ عُلَماءُ البَلاغَةِ مِن أنَّ المُقِرَّ، إذا ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أمارَةُ الإنْكارِ، جُعِلَ كالمُنْكِرِ، فَأُكِّدَ لَهُ الخَبَرُ، كَقَوْلِ حَجْلِ بْنِ نَضْلَةَ:
؎جاءَ شَقِيقٌ عارِضًا رُمْحَهُ أنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحْ
فَشَقِيقٌ لا يُنْكِرُ أنَّ في بَنِي عَمِّهِ رِماحًا، ولَكِنَّ مَجِيئَهُ عارِضًا رُمْحَهُ، أيْ جاعِلًا عَرْضَهُ جِهَتَهم مِن غَيْرِ التِفاتِ إمارَةٍ، أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنْ لا رُمْحَ فِيهِمْ، فَأكَّدَ لَهُ الخَبَرَ، فَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ الكُفّارَ لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ، ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ أمارَةُ إنْكارِ الإيجادِ الأوَّلِ، لِأنَّ مَن أقَرَّ بِالأوَّلِ لَزِمَهُ الإقْرارُ بِالثّانِي، لِأنَّ الإعادَةَ أيْسَرُ مِنَ البَدْءِ، فَأكَّدَ لَهُمُ الإيجادَ الأوَّلَ.
وَيُوَضِّحُ هَذا أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧]، أيْ ما يَحْمِلُكَ أيُّها الإنْسانُ عَلى التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، بَعْدَ عِلْمِكَ أنَّ اللَّهَ أوْجَدَكَ أوَّلًا، فَمَن أوْجَدَكَ أوَّلًا قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَكَ ثانِيًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [يس: ٧٩]، وقالَ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٠٤]، وقالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٧] وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥] .
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ، ولِذا ذَكَرَ تَعالى أنَّ مَن أنْكَرَ البَعْثَ، فَقَدْ نَسِيَ إيجادَهُ الأوَّلَ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧] .
وَقالَ البَعْضُ: مَعْنى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ﴾، فَمَن يَقْدِرُ عَلى تَكْذِيبِكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ بِالثَّوابِ والعِقابِ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ أنّا خَلَقْنا الإنْسانَ عَلى ما وصَفْنا، وهو في دَلالَتِهِ عَلى ما ذَكَرْنا كالأوَّلِ، فَظَهَرَتِ النُّكْتَةُ في جَعْلِ الِابْتِدائِيِّ كالإنْكارِيِّ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ القَسَمَ شامِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، أيْ إلى النّارِ، وهم لا يُصَدِّقُونَ بِالنّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] .
وَهَذا الوَجْهُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أصَحُّ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ مَعْناهُ الهَرَمُ، والرَّدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَوْنِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أظْهَرَ في الأوَّلِ مِنَ الثّانِي، وإذا كانَ القَسَمُ شامِلًا لِلْإنْكارِيِّ، فَلا إشْكالًا لِأنَّ التَّوْكِيدَ مُنْصَبٌّ عَلى ذَلِكَ الإنْكارِيِّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.