×

الضحى

الآية ١٠

أضواء البيان — الشنقيطي

وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴿١٠﴾

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، قالُوا: السّائِلُ: الفَقِيرُ والمُحْتاجُ، يَسْألُ ما يَسُدُّ حاجَتَهُ وهو مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ أيْ: فَكَما أغْناكَ اللَّهُ وبِدُونِ سُؤالٍ فَإذا أتاكَ سائِلٌ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَوْ في رَدِّ الجَوابِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ. وَمَعْلُومٌ: أنَّ الجَوابَ بِلُطْفٍ، قَدْ يَقُومُ مَقامَ العَطاءِ في إجابَةِ السّائِلِ، وكانَ ﷺ إذا لَمْ يَجِدْ ما يُعْطِيهِ لِلسّائِلِ يَعِدُهُ وعْدًا حَسَنًا لِحِينِ مَيْسَرَةٍ؛ أخْذًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٨] . وَقَدْ أوْرَدَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيْتَيْنِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَعْنى، هُما قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إنْ لَمْ تَكُنْ ورِقٌ يَوْمًا أجُودُ بِها لِلسّائِلِينَ فَإنِّي لَيِّنُ العُودِ ؎لا يَعْدَمُ السّائِلُونَ الخَيْرَ مِن خُلُقِي ∗∗∗ إمّا نَوالِي وإمّا حُسْنُ مَرْدُودِ فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إنْ لَمْ يُسْعِدِ المالُ. وَقِيلَ: السّائِلُ المُسْتَفْسِرُ عَنْ مَسائِلِ الدِّينِ والمُسْتَرْشِدُ، وقالُوا هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ أيْ: لا تَنْهَرْ مُسْتَغْنِيًا ولا مُسْتَرْشِدًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ١ - ٢] . وَقَدْ كانَ ﷺ رَحِيمًا شَفِيقًا عَلى الجاهِلِ حَتّى يَتَعَلَّمَ، كَما في قِصَّةِ الأعْرابِيِّ الَّذِي بالَ في المَسْجِدِ حِينَ صاحَ بِهِ الصَّحابَةُ، فَقالَ لَهم: «لا تُزْرِمُوهُ» إلى أنْ قالَ الأعْرابِيُّ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وارْحَمْ مُحَمَّدًا ولا تَرْحَمْ مَعَنا أحَدًا أبَدًا " وكالآخَرِ الَّذِي جاءَ يَضْرِبُ صَدْرَهُ ويَنْتِفُ شَعْرَهُ، ويَقُولُ: «هَلَكْتُ وأهْلَكْتُ، واقَعْتُ أهْلِي في رَمَضانَ، حَتّى كانَ مِن أمْرِهِ أنْ أعْطاهُ فَرَقًا مِن طَعامِهِ يُكَفِّرُ بِهِ عَنْ ذَنْبِهِ، فَقالَ: أعَلى أفْقَرَ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ: قُمْ فَأطْعِمْهُ أهْلَكَ» . وَقَدْ كانَ ﷺ يَقِفُ لِلْمَرْأةِ في الطَّرِيقِ يُصْغِي إلَيْها حَتّى يَضِيقَ مَن مَعَهُ، وهو يَصْبِرُ لَها ولَمْ يَنْهَرْها، بَلْ يُجِيبُها عَلى أسْئِلَتِها. وَقَدْ حَثَّ ﷺ عَلى إكْرامِ طالِبِ العِلْمِ، وبَيَّنَ أنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَها لِطالِبِ العِلْمِ، وأنَّ الحِيتانَ في البَحْرِ لَتَسْتَغْفِرُ لَهُ رِضًى بِما يَصْنَعُ.