أضواء البيان — الشنقيطي
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ ﴿١١﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ ”ثَمُودُ“: اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ أُسْنِدَ إلَيْها التَّكْذِيبُ، أيْ: بِنَبِيِّ اللَّهِ صالِحٍ، و ”أشْقاها“ هو عاقِرُ النّاقَةِ أُسْنِدَ الِانْبِعاثُ لَهُ وحْدَهُ بَيْنَ ما جاءَ بَعْدَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾، فَأسْنَدَ العَقْرَ لَهم.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الجَمْعُ بَيْنَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“، ومَضْمُونُهُ أنَّهم مُتَواطِئُونَ مَعَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، فَكانُوا شُرَكاءَ لَهُ في عَقْرِها، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎والسّامِعُ الذَّمَّ شَرِيكٌ لِقائِلِهِ ومُطْعِمُ المَأْكُولِ شَرِيكٌ لِلْآكِلِ
وَفِي قِصَّةِ أبِي طَلْحَةَ «فِي صَيْدِ الحِمارِ الوَحْشِيِّ، سَألَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وهم مُحْرِمُونَ لِلْعُمْرَةِ: ”هَلْ دَلَّهُ عَلَيْهِ مِنكم أحَدٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: هَلْ عاوَنَهُ عَلَيْهِ مِنكم أحَدٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَكُلُوا إذًا:“» لِأنَّ مَفْهُومَهُ: لَوْ عاوَنُوا أوْ دَلُّوا لَكانُوا شُرَكاءَ في صَيْدِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وبِعَدَمِ اشْتِراكِهِمْ حَلَّ لَهم، فَلَوْ عاوَنُوا أوْ شارَكُوا لَحَرُمَ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَمّا كانُوا راضِينَ، ونادَوْهُ وتَعاطى، سَواءٌ عُهُودُهم أوْ عَطاؤُهم أوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَعَقَرَها وحْدَهُ، كانَ هَذا باسِمِ الجَمِيعِ، فَكانَتِ العُقُوبَةُ بِاسْمِ الجَمِيعِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذا قَتْلُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، وعُقُوبَةُ الرَّبِيئَةِ مَعَ الجانِي. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.