أضواء البيان — الشنقيطي
وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ الآيَةَ.
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً، اسْتَدَلُّوا عَلى أنَّها حَقٌّ وصَوابٌ، بِأنَّهم وجَدُوا آباءَهم يَفْعَلُونَها، وأنَّهم ما فَعَلُوها، إلّا لِأنَّها صَوابٌ ورُشْدٌ.
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ هَذا واقِعٌ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] .
وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذا التَّقْلِيدَ الأعْمى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات: ٦٩، ٧٠]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ خِلافُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن ظاهِرِ آيَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٦] .
والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو أظْهَرُها أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ أيْ بِطاعَةِ اللَّهِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ ﴿فَفَسَقُوا﴾، أيْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ ومَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أصْلًا.
الثّانِي: أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ أمْرٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ لا أمْرٌ شَرْعِيٌّ، أيْ قَدَرْنا عَلَيْهِمُ الفِسْقَ بِمَشِيئَتِنا، والأمْرُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، والأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ أمْرٌ شَرْعِيٌّ دِينِيٌّ فَظَهَرَ أنَّ الأمْرَ المَنفِيَّ غَيْرَ الأمْرِ المُثْبَتِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾: أيْ كَثَّرْناهم حَتّى بَطِرُوا النِّعْمَةَ ﴿فَفَسَقُوا﴾، ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى الحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خَيْرُ مالِ امْرِئٍ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» فَقَوْلُهُ: ”مَأْمُورَةٌ“ أيْ كَثِيرَةُ النَّسْلِ، وهي مَحَلُّ الشّاهِدِ.