أضواء البيان — الشنقيطي
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ ﴿١٧٢﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى أخْذِهِ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ: هو إيجادُ قَرْنٍ مِنهم بَعْدَ قَرْنٍ، وإنْشاءُ قَوْمٍ بَعْدَ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، وقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]، وقالَ: ﴿وَيَجْعَلُكم خُلَفاءَ﴾ [النمل: ٦٢]، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، أنَّ إشْهادَهم عَلى أنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِما نُصِبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ بِأنَّهُ رَبُّهُمُ المُسْتَحِقُّ مِنهم لِأنْ يَعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى ﴿قالُوا بَلى﴾، أيْ: قالُوا ذَلِكَ بِلِسانِ حالِهِمْ لِظُهُورِ الأدِلَّةِ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ مِن إطْلاقِ الشَّهادَةِ عَلى شَهادَةِ لِسانِ الحالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، أيْ بِلِسانِ حالِهِمْ عَلى القَوْلِ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ وإنَّهُ ﴿عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٦، ٧] أيْ: بِلِسانِ حالِهِ أيْضًا عَلى القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ في الآيَةِ أيْضًا.
واحْتَجَّ مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا جَعَلَ هَذا الإشْهادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإشْراكِ بِهِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣]، قالُوا: فَلَوْ كانَ الإشْهادُ المَذْكُورُ الإشْهادَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ المِيثاقِ، وهم في صُورَةِ الذَّرِّ لَما كانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يَذْكُرُهُ مِنهم أحَدٌ عِنْدَ وُجُودِهِ في الدُّنْيا، وما لا عِلْمَ لِلْإنْسانِ بِهِ لا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: إخْبارُ الرُّسُلِ بِالمِيثاقِ المَذْكُورِ كافٍ في ثُبُوتِهِ، قُلْنا:
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: " الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ ما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ مِن هَذا وغَيْرِهِ، وهَذا جُعِلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْها مِنَ التَّوْحِيدِ، ولِهَذا قالَ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ الآيَةَ اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
فَإذا عَلِمْتَ هَذا الوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ الآيَةِ، وما اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ قائِلُهُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ، فاعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الآخَرَ في مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ جَمِيعَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِن ظُهُورِ الآباءِ في صُورَةِ الذَّرِّ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِلِسانِ المَقالِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، ثُمَّ أرْسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّسُلَ مُذَكِّرَةً بِذَلِكَ المِيثاقِ الَّذِي نَسِيَهُ الكُلُّ ولَمْ يُولَدْ أحَدٌ مِنهم وهو ذاكِرٌ لَهُ وإخْبارُ الرُّسُلِ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ اليَقِينُ بِوُجُودِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَدُلُّ لَهُ الكِتابُ والسُّنَّةُ.
أمّا وجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، فَهو أنَّ مُقْتَضى القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ ما أقامَ اللَّهُ لَهم مِنَ البَراهِينِ القَطْعِيَّةِ كَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما فِيهِما مِن غَرائِبِ صُنْعِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ الرَّبُّ المَعْبُودُ وحْدَهُ، وما رَكَّزَ فِيهِمْ مِنَ الفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهم عَلَيْها - تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، ولَوْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ، والآياتُ القُرْآنِيَّةُ مُصَرِّحَةٌ - بِكَثْرَةٍ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا حَتّى يُقِيمَ عَلَيْهِ الحُجَّةَ بِإنْذارِ الفِطْرَةِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، فَإنَّهُ قالَ فِيها: حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا، ولَمْ يَقُلْ حَتّى نَخْلُقَ عُقُولًا، ونَنْصُبَ أدِلَّةً، ونُرَكِّزَ فِطْرَةً.
وَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [الإسراء: ١٥]، فَصَرَّحَ بِأنَّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى النّاسِ، ويَنْقَطِعُ بِهِ عُذْرُهم: هو إنْذارُ الرُّسُلِ لا نَصْبَ الأدِلَّةِ والخَلْقِ عَلى الفِطْرَةِ.
وَهَذِهِ الحُجَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرُّسُلُ لِقَطْعِها بَيَّنَها في ”طَهَ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [ ١٣٤ ]، وأشارَ لَها في ”القَصَصِ“ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [ ٤٧ ]، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ قُطِعَ عُذْرُهم في الدُّنْيا بِإنْذارِ الرُّسُلِ، ولَمْ يَكْتَفِ في ذَلِكَ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، ومَعْلُومٌ أنَّ لَفْظَةَ: كُلَّما، في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾، صِيغَةُ عُمُومٍ، وأنَّ لَفْظَةَ: الَّذِينَ، في قَوْلِهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، صِيغَةُ عُمُومٍ أيْضًا؛ لِأنَّ المَوْصُولَ يَعُمُّ كُلَّ ما تَشْمَلُهُ صِلَتُهُ.
وَأمّا السُّنَّةُ: فَإنَّهُ قَدْ دَلَّتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ في صُورَةِ الذَّرِّ فَأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ كَما ذَكَرَ هُنا، وبَعْضُها صَحِيحٌ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: قالَ أبُو عُمَرَ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ البَرِّ، لَكِنَّ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ ثابِتَةٍ كَثِيرَةٍ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ وغَيْرِهِمُ اهـ. مَحَلُّ الحاجَةِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهَذا الخِلافُ الَّذِي ذَكَرْنا هَلْ يُكْتَفى في الإلْزامِ بِالتَّوْحِيدِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، أوْ لا بُدَّ مِن بَعْثِ الرُّسُلِ لِيُنْذِرُوا ؟ هو مَبْنى الخِلافِ المَشْهُورِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ في أهْلِ الفَتْرَةِ، هَلْ يَدْخُلُونَ النّارَ بِكُفْرِهِمْ ؟ وحَكى القَرافِيُّ عَلَيْهِ الإجْماعَ وجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“، أوْ يُعْذَرُونَ بِالفَتْرَةِ وهو ظاهِرُ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْناها، وإلى هَذا الخِلافِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:
ذُو فَتْرَةٍ بِالفَرْعِ لا يُراعُ وفي الأُصُولِ بَيْنَهم نِزاعُ وقَدْ حَقَّقْنا هَذِهِ المَسْألَةَ مَعَ مُناقَشَةِ أدِلَّةِ الفَرِيقَيْنِ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، ولِذَلِكَ اخْتَصَرْناها هُنا.