أضواء البيان — الشنقيطي
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلْغَيْظِ ۖ كُلَّمَآ أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ﴿٨﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها﴾ .
بَيَّنَ تَعالى أنَّ لِلنّارِ خَزَنَةً، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الخَزَنَةَ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالنّارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] .
كَما بَيَّنَ عِدَّتَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [ ٧٤ ] .
وَقالَ: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] .
وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ يَدْخُلُونَها جَماعَةً بَعْدَ جَماعَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأنفال: ٣٨] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ .
قالَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: هَذا سُؤالُ المَلائِكَةِ لِأهْلِ النّارِ، والنَّذِيرُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وإنْ ذُكِرَ عَنِ الأصْمَعِيِّ إنْكارَهُ ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ [البقرة: ١١٧]: بِمَعْنى مُبْدِعٍ، و ألِيمٌ [البقرة: ١٠]: بِمَعْنى مُؤْلِمٍ.
وَمِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
فالسَّمِيعُ بِمَعْنى المُسْمِعِ.
وَقَوْلُ غَيْلانَ:
؎وَيَرْفَعُ مِن صُدُورِ شَمَرْدَلاتٍ ∗∗∗ يَصُدُّ وُجُوهَها وهَجٌ ألِيمٌ
أيْ: مُؤْلِمٌ، والإنْذارُ إعْلامٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ.
وَقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ بِالنّارِ أحَدًا إلّا بَعْدَ أنْ يُنْذِرَهُ في الدُّنْيا، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى بِأدِلَّتِهِ بِتَوَسُّعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وساقَ هَذِهِ الآيَةَ هُناكَ.