أضواء البيان — الشنقيطي
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْـَٔافِلِينَ ﴿٧٦﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيَلُّ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾، الآياتِ، قَوْلُهُ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مُحْتَمَلٌ لِأنَّهُ كانَ يَظُنُّ ذَلِكَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وَمُحْتَمَلٌ، لِأنَّهُ جازِمٌ بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، ومُرادُهُ هَذا رَبِّي في زَعْمِكُمُ الباطِلِ، أوْ أنَّهُ حَذَفَ أداةَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، والقُرْآنُ يُبَيِّنُ بُطْلانَ الأوَّلِ، وصِحَّةَ الثّانِي.
أمّا بُطْلانُ الأوَّلِ: فاللَّهُ تَعالى نَفى كَوْنَ الشِّرْكِ الماضِي عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، في عِدَّةِ آياتٍ، ونَفْيُ الكَوْنِ الماضِي يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الماضِي، فَثَبَتَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ شِرْكٌ يَوْمًا ما.
وَأمّا كَوْنُهُ جازِمًا مُوقِنًا بِعَدَمِ رُبُوبِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾، إلى آخِرِهِ، ”بِالفاءِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مُوقِنًا مُناظِرًا ومُحاجًّا لَهم، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٨٣]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.