أضواء البيان — الشنقيطي
لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ﴿٧٨﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الَّذِينَ لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، والَّذِينَ لُعِنُوا عَلى لِسانِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ المائِدَةِ، وعَلَيْهِ فَلَعْنُ الأوَّلِينَ مَسْخُهم قِرَدَةً، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]، ولَعْنُ الآخَرِينَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مَسَخَهم خَنازِيرَ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والباقِرِ، نَقَلَهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقالَ: واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وأبِي مالِكٍ، وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ .
وَقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، «قالَ داوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ ألْبِسْهُمُ اللَّعْنَ مِثْلَ الرِّداءِ، ومِثْلَ المِنطَقَةِ عَلى الحَقْوَيْنِ“»، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا، «قالَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَ ما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ»“ .
وَأنَّ هَذا مَعْنى لَعْنِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذا تَرَكْنا التَّعَرُّضَ لَها، لِأنَّها لَيْسَتْ مِمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ.