×

الجاثية

الآية ١٨

أضواء البيان — الشنقيطي

ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٨﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فاتَّبِعْها﴾ . وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضَّحَةَ في سُورَةِ ”الزُّخْرُفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] - أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَأْمُرُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ويَنْهاهُ، لِيُشَرِّعَ بِذَلِكَ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأُمَّتِهِ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . وَمَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لا يَتَّبِعُ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، ولَكِنَّ النَّهْيَ المَذْكُورَ فِيهِ التَّشْرِيعُ لِأُمَّتِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] . • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] . • وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٣٩] . • وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ بَيَّنّا الأدِلَّةَ القُرْآنِيَّةَ عَلى أنَّهُ ﷺ يُخاطَبُ، والمُرادُ بِهِ التَّشْرِيعُ لِأُمَّتِهِ، في آيَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ المَذْكُورَةِ. وَما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ ”الجاثِيَةِ“ هَذِهِ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الشُّورى“: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ [الشورى: ١٥] . وقَوْلِهِ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] . وقَوْلُهُ تَعالى في ”القَصَصِ“: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم ومَن أضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ. وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ أنَّ الحَقَّ لَوِ اتَّبَعَ أهْواءَهم لَفَسَدَ العالَمُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] . والأهْواءُ: جَمْعُ هَوًى بِفَتْحَتَيْنِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ، والهَمْزَةُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِن ياءٍ، كَما هو مَعْلُومٌ.