×

النساء

الآية ٤٢

أضواء البيان — الشنقيطي

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا ﴿٤٢﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ الآيَةَ، عَلى القِراءاتِ الثَّلاثِ مَعْناهُ أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنَّ يَسْتُوُوا بِالأرْضِ، فَيَكُونُوا تُرابًا مِثْلَها عَلى أظْهَرِ الأقْوالِ، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ويَقُولُ الكافِرُ يالَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ [النبإ: ٤٠] . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ بَيِّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ عَدَمَ الكَتْمِ المَذْكُورِ هُنا، إنَّما هو بِاعْتِبارِ إخْبارِ أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِكُلِّ ما عَمِلُوا عِنْدَ الخَتْمِ عَلى أفْواهِهِمْ إذا أنْكَرُوا شِرْكَهم ومَعاصِيَهم وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]، فَلا يَتَنافى قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، مَعَ قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ عَنْهم أيْضًا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، وقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [ ٤٠ ]، لِلْبَيانِ الَّذِي ذَكَرْنا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ لا يَكْتُمُونَ مِن خَبَرِهِمْ شَيْئًا يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] . وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ [ ٤٠ ] . وَوَجْهُ الجَمْعِ في ذَلِكَ هو ما بَيَّنَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وهو أنَّ ألْسِنَتَهم تَقُولُ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَشْهَدُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَكَتَمَ الحَقَّ بِاعْتِبارِ اللِّسانِ وعَدِمَهُ بِاعْتِبارِ الأيْدِي والأرْجُلِ، وهَذا الجَمْعُ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] . وَأجابَ بَعْضُ العُلَماءِ بِتَعَدُّدِ الأماكِنِ فَيَكْتُمُونَ في وقْتٍ ولا يَكْتُمُونَ في وقْتٍ آخَرَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.