أضواء البيان — الشنقيطي
إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَـٰثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَـٰنًا مَّرِيدًا ﴿١١٧﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِدُعائِهِمُ الشَّيْطانَ المَرِيدَ عِبادَتَهم لَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠]، وقَوْلُهُ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: ٤٤]، وقَوْلُهُ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [يس: ١٣٧]، ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآياتِ ما وجْهُ عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ مَعْنى عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ إطاعَتُهم لَهُ واتِّباعُهم لِتَشْرِيعِهِ وإيثارُهُ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، «فَإنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا ؟ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّهم أحَلُّوا لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ فاتَّبَعُوهم“»، وذَلِكَ هو مَعْنى اتِّخاذِهِمْ إيّاهم أرْبابًا. ويُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ بِوُضُوحٍ لا لَبْسَ فِيهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطانِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ، عابِدٌ لِلشَّيْطانِ، مُتَّخِذٌ الشَّيْطانَ رَبًّا، وإنْ سَمّى اتِّباعَهُ لِلشَّيْطانِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ؛ لِأنَّ الحَقائِقَ لا تَتَغَيَّرُ بِإطْلاقِ الألْفاظِ عَلَيْها، كَما هو مَعْلُومٌ.