×

النساء

الآية ١١٤

أضواء البيان — الشنقيطي

لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَـٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١١٤﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كَثِيرًا مِن مُناجاةِ النّاسِ فِيما بَيْنَهم لا خَيْرَ فِيهِ. وَنَهى في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنِ التَّناجِي بِما لا خَيْرَ فِيهِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ لِيُحْزِنَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠، ٩] . وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ المُرادُ بِالنّاسِ المُسْلِمُونَ دُونَ الكُفّارِ أوْ لا. وَلَكِنَّهُ أشارَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المُرَغَّبِ في الإصْلاحِ بَيْنَهم هُنا المُسْلِمُونَ خاصَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات: ٩]، فَتَخْصِيصُهُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم لَيْسَ كَذَلِكَ كَما هو ظاهِرٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [ ٨ ] . وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤]، يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١، ٢، ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨]، والآيَةُ الأخِيرَةُ فِيها أنَّها في الآخِرَةِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ المَذْكُورُ إنَّما هو في الدُّنْيا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.