×

الزمر

الآية ٥٣

أضواء البيان — الشنقيطي

قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ المُسْرِفِينَ لَيْسَ لَهم أنْ يَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، مَعَ أنَّهُ جاءَتْ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣] . والجَوابُ أنَّ الإسْرافَ يَكُونُ بِالكُفْرِ ويَكُونُ بِارْتِكابِ المَعاصِي دُونَ الكُفْرِ، فَآيَةُ ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ في الإسْرافِ الَّذِي هو كُفْرٌ. وَآيَةُ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في الإسْرافِ بِالمَعاصِي دُونَ الكُفْرِ، ويُجابُ أيْضًا بِأنَّهُ آيَةُ: ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ فِيما إذا لَمْ يَتُوبُوا، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ فِيما إذا تابُوا. والأمْرُ الثّانِي: أنَّها دَلَّتْ عَلى غُفْرانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ مَعَ أنَّهُ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى أنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُغْفَرُ، وهو الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى. والجَوابُ أنَّ آيَةَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، مُخَصِّصَةٌ لِهَذِهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِالتَّوْبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤]، فَإنَّهُ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر: ٥٣]، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ كَثِيرٍ.