أضواء البيان — الشنقيطي
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَىٰٓ إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿٥٥﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ الآيَةَ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أيْ مُنْجِيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ في تِلْكَ النَّوْمَةِ ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا التَّفْسِيرِ بِالآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها إطْلاقُ الوَفاةِ عَلى النَّوْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٦٠]، وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ.
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِها وفاةُ عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٩] .
عَلى ما فَسَّرَها بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ وأبُو مالِكٍ والحُسْنُ وقَتادَةُ وابْنُ. . . . . . وأبُو هُرَيْرَةَ، ودَلَّتْ عَلى صِدْقِهِ الأحادِيثُ المُتَواتِرَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وجَزَمَ ابْنُ كَثِيرٍ، بِأنَّهُ الحَقُّ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أيْ مَوْتِ عِيسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى تَعْيِينِ الوَقْتِ، ولا يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قَدْ مَضى وهو مُتَوَفِّيهِ قَطْعًا يَوْمًا ما، ولَكِنْ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ قَدْ مَضى، وأمّا عَطْفُهُ: ”وَرافِعُكَ“ إلى قَوْلِهِ: ”مُتَوَفِّيكَ“، فَلا دَلِيلَ فِيهِ لِإطْباقِ جُمْهُورِ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى أنَّ الواوَ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ولا الجَمْعَ، وإنَّما تَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ.
وَقَدِ ادَّعى السِّيرافِيُّ والسُّهَيْلِيُّ إجْماعَ النُّحاةِ عَلى ذَلِكَ، وعَزاهُ الأكْثَرُ لِلْمُحَقِّقِينَ وهو الحَقُّ. خِلافًا لِما قالَهُ قُطْرُبٌ والفَرّاءُ وثَعْلَبٌ وأبُو عُمَرَ والزّاهِدُ وهُشامٌ والشّافِعِيُّ مِن أنَّها تُفِيدُ التَّرْتِيبَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها فِيهِ.
وَقَدْ أنْكَرَ السِّيرافِيُّ ثُبُوتَ هَذا القَوْلِ عَنِ الفَرّاءِ وقالَ: لَمْ أجِدْهُ في كِتابِهِ.
وَقالَ ولِيُّ الدِّينِ: أنْكَرَ أصْحابُنا نِسْبَةَ هَذا القَوْلِ إلى الشّافِعِيِّ، حَكاهُ عَنْهُ صاحِبُ الضِّياءِ اللّامِعِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: «ابْدَأْ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ» يَعْنِي الصَّفا لا دَلِيلَ فِيهِ عَلى اقْتِضائِها التَّرْتِيبَ، وبَيانُ ذَلِكَ هو ما قالَهُ الفِهْرِيُّ كَما ذَكَرَ عَنْهُ صاحِبُ الضِّياءِ اللّامِعِ وهو أنَّها كَما أنَّها لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ولا المَعِيَّةَ فَكَذَلِكَ لا تَقْتَضِي المَنعَ مِنهُما، فَقَدْ يَكُونُ العَطْفُ بِها مَعَ قَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالأوَّلِ كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨] . بِدَلِيلِ الحَدِيثِ المُتَقَدِّمِ، وقَدْ يَكُونُ المَعْطُوفُ بِها مُرَتَّبًا كَقَوْلِ حَسّانَ:
؎هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وأجَبْتُ عَنْهُ
عَلى رِوايَةِ الواوِ وقَدْ يُرادُ بِها المَعِيَّةُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وقَوْلِهِ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، ولَكِنْ لا تُحْمَلُ عَلى التَّرْتِيبِ ولا عَلى المَعِيَّةِ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى ”مُتَوَفِّيكَ“ أيْ: مُنِيمُكَ ”وَرافِعُكَ إلَيَّ“، أيْ: في تِلْكَ النَّوْمَةِ.
وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ إطْلاقُ الوَفاةِ عَلى النَّوْمِ في قَوْلِهِ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢] .
وَعَزا ابْنُ كَثِيرٍ هَذا القَوْلَ لِلْأكْثَرِينَ، واسْتَدَلَّ بِالآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ وقَوْلِهِ ﷺ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أحْيانا بَعْدَما أماتَنا» . . . . . الحَدِيثَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: إنَّ ”مُتَوَفِّيكَ“ اسْمُ فاعِلٍ تَوَفّاهُ إذا قَبَضَهُ وحازَهُ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: تَوَفّى فَلانٌ دَيْنَهُ، إذا قَبَضَهُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَعْنى ”مُتَوَفِّيكَ“ عَلى هَذا قابِضُكَ مِنهم إلَيَّ حَيًّا.
وَهَذا القَوْلُ هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وأمّا الجَمْعُ بِأنَّهُ تَوَفّاهُ ساعاتٍ أوْ أيّامًا، ثُمَّ أحْياهُ، فالظّاهِرُ أنَّهُ مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ، وقَدْ نَهى ﷺ عَنْ تَصْدِيقِها وتَكْذِيبِها.