×

آل عمران

الآية ١٢٣

أضواء البيان — الشنقيطي

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٢٣﴾

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ . وَصَفَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِمْ أذِلَّةً حالَ نَصْرِهِ لَهم بِبَدْرٍ، وقَدْ جاءَ في آيَةٍ أُخْرى وصْفُهُ تَعالى لَهم بِأنَّ لَهُمُ العِزَّةَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، ولا يَخْفى ما بَيْنَ العِزَّةِ والذِّلَّةِ مِنَ التَّنافِي والتَّضادِّ. والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ مَعْنى وصْفِهِمْ بِالذِّلَّةِ هو قِلَّةُ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ وكَثُرَ عَدَدُهم وعِدَدُهم مَعَ أنَّ العِزَّةَ والذِّلَّةَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهُما بِاعْتِبارٍ آخَرَ، وهو أنَّ الذِّلَّةَ بِاعْتِبارِ حالِ المُسْلِمِينَ مِن قِلَّةِ العَدَدِ والعُدَدِ، والعِزَّةَ بِاعْتِبارِ نَصْرِ اللَّهِ وتَأْيِيدِهِ كَما يُشِيرُ إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فَإنَّ زَمانَ الحالِ هو زَمانُ عامِلِها، فَزَمانُ النَّصْرِ هو زَمانُ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً، فَظَهَرَ أنَّ وصْفَ الذِّلَّةِ بِاعْتِبارٍ، ووَصْفَ النَّصْرِ والعِزَّةِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ، فانْفَكَّتِ الجِهَةُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.