×

النمل

الآية ٨٣

أضواء البيان — الشنقيطي

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَـٰتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿٨٣﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خُصُوصُ الحَشْرِ بِهَذِهِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ بِآياتِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ عَلى عُمُومِ الحَشْرِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ أوْضَحْنا في كِتابِنا ”دَفَعَ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، في آيَةِ ”النَّمْلِ“ هَذِهِ، في الكَلامِ عَلى وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى فِيها: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآيَةَ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وذَكَرْنا قَوْلَ الألُوسِيِّ في تَفْسِيرِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ في الحَشْرِ العامِّ لِجَمِيعِ النّاسِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ في الحَشْرِ الخاصِّ بِهَذِهِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ؛ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا﴾ الآيَةَ [النمل: ٨٤]، وهَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، كَما تَرى. وَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الأفْواجُ الَّتِي تُحْشَرُ حَشْرًا خاصًّا هي رُؤَساءُ أهْلِ الضَّلالِ وقادَتُهم، وعَلَيْهِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٦٩]، والفَوْجُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢]، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾، أيْ: يَرِدُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ حَتّى يَجْتَمِعُوا، ثُمَّ يُدْفَعُونَ جَمِيعًا، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ . هَذِهِ الآيَةُ يَدُلُّ ظاهِرُها عَلى أنَّ الحَشْرَ خاصٌّ بِهَؤُلاءِ الأفْواجِ المُكَذِّبَةِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ هَذا بِقَلِيلٍ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَشْرَ عامٌّ، كَما صَرَّحَتْ بِهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ عَنْ كَثْرَةٍ. والجَوابُ عَنْ هَذا، هو ما بَيَّنَهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ يُرادُ بِهِ الحَشْرُ العامُّ وقَوْلَهَ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ أيْ بَعْدَ الحَشْرِ العامِّ يَجْمَعُ اللَّهُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ لِأجْلِ التَّوْبِيخِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمْ ماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]، فالمُرادُ بِالفَوْجِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ الفَوْجُ المُكَذِّبُ لِلرُّسُلِ يُحْشَرُ لِلتَّوْبِيخِ حَشْرًا خاصًّا، فَلا يُنافِي حَشْرَ الكُلِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، وهَذا الوَجْهُ أحْسَنُ مِن تَخْصِيصِ الفَوْجِ بِالرُّؤَساءِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم.