أضواء البيان — الشنقيطي
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٨٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا هَذا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ الكُفّارَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ قالُوا: إنَّهم وُعِدُوا بِالبَعْثِ، ووُعِدَ بِهِ آباؤُهم مِن قَبْلِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّهم يَعْنُونَ أجْدادَهم، الَّذِينَ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ، وأخْبَرَتْهم بِأنَّهم يُبْعَثُونَ بَعْدَ المَوْتِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ، وقالُوا: إنَّ البَعْثَ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ هم وآباؤُهم كَذِبٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأنَّهُ ما هو إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ أيْ: ما سَطَّرُوهُ وكَتَبُوهُ مِنَ الأباطِيلِ والتُّرَّهاتِ، والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أُسْطارَةٍ، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهم مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ ذُكِرَ مِثْلُهُ في سُورَةِ النَّمْلِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أئِذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أئِنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ ﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٧ - ٦٨]، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أقامَ البُرْهانَ عَلى البَعْثِ، الَّذِي أنْكَرُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]؛ لِأنَّ مَن لَهُ الأرْضُ، ومَن فِيها، ومَن هو رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، ومَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾، لا شَكَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِ النّاسِ بَعْدَ المَوْتِ، كَما أوْضَحْنا فِيما مَرَّ البَراهِينَ القُرْآنِيَّةَ القَطْعِيَّةَ، الدّالَّةَ عَلى ذَلِكَ.