أضواء البيان — الشنقيطي
وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٨٠﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى الإماتَتَيْنِ والإحْياءَتَيْنِ، وأنَّ ذَلِكَ مِن أكْبَرِ الدَّواعِي لِلْإيمانِ بِهِ - جَلَّ وعَلا - في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الحج: ٢٦] وفي سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ لَهُ اخْتِلافَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ هو الفاعِلُ لَهُ وهو الَّذِي يَذْهَبُ بِاللَّيْلِ، ويَأْتِي بِالنَّهارِ، ثُمَّ يَذْهَبُ بِالنَّهارِ ويَأْتِي بِاللَّيْلِ، واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، مِن أعْظَمِ آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، ومِن أعْظَمِ مِنَنِهِ عَلى خَلْقِهِ كَما بَيَّنَ الأمْرَيْنِ في سُورَةِ القَصَصِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٧١ - ٧٣]، أيْ: لِتَسْكُنُوا في اللَّيْلِ وتَطْلُبُوا مَعايِشَكم بِالنَّهارِ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٣٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ [يس: ٤٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٣٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦]
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وقَوْلُهُ تَعالى: أفَلا تَعْقِلُونَ أيْ: تُدْرِكُونَ بِعُقُولِكم أنَّ الَّذِي يُنْشِئُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ، ﴿ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ ويُخالِفُ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ أنَّهُ الإلَهُ الحَقُّ المَعْبُودُ وحْدَهُ - جَلَّ وعَلا -، الَّذِي لا يَصِحُّ أنْ يُسَوّى بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا.