أضواء البيان — الشنقيطي
وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ ﴿٨﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ المُفْلِحِينَ الوارِثِينَ الفِرْدَوْسَ: أنَّهم راعُونَ لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ، أيْ: مُحافِظُونَ عَلى الأماناتِ، والعُهُودِ، والأمانَةُ تَشْمَلُ: كُلَّ ما اسْتَوْدَعَكَ اللَّهُ، وأمَرَكَ بِحِفْظِهِ، فَيَدْخُلُ فِيها حِفْظُ جَوارِحِكَ مِن كُلِّ ما لا يُرْضِي اللَّهَ، وحِفْظُ ما ائْتُمِنتَ عَلَيْهِ مِن حُقُوقِ النّاسِ، والعُهُودُ أيْضًا تَشْمَلُ: كُلَّ ما أُخِذَ عَلَيْكَ العَهْدُ بِحِفْظِهِ، مِن حُقُوقِ اللَّهِ، وحُقُوقِ النّاسِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن حِفْظِ الأماناتِ والعُهُودِ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]
• وقَوْلِهِ تَعالى في سَألَ سائِلٌ: ﴿والَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ [المعارج: ٣٢]
• وقَوْلِهِ في العَهْدِ ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في سُورَةِ الأنْبِياءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٨]،
وقَوْلِهِ: راعُونَ: جَمْعُ تَصْحِيحٍ لِلرّاعِي، وهو القائِمُ عَلى الشَّيْءِ، بِحِفْظٍ أوْ إصْلاحٍ كَراعِي الغَنَمِ وراعِي الرَّعِيَّةِ، وفي الحَدِيثِ «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» الحَدِيثَ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: لِأمانَتِهِمْ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ والباقُونَ بِألِفٍ بَعْدَ النُّونِ، عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ.