أضواء البيان — الشنقيطي
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٦٢﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾، ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ التَّخْفِيفِ في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، الَّتِي جاءَ بِها نَبِيُّنا ﷺ قَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾، الحَقُّ أنَّ المُرادَ بِهَذا الكِتابِ: كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي يُحْصِيها اللَّهُ فِيهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا المَعْنى في الكَهْفِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾، الآيَةَ [الكهف: ٤٩] وفي سُورَةِ الإسْراءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] .
والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى نُطْقِ الكِتابِ بِالحَقِّ: أنَّ جَمِيعَ المَكْتُوبِ فِيهِ حَقٌّ، فَمَن قَرَأ المَكْتُوبَ فِيهِ، كَأنَّهُ لا يَنْطِقُ في قِراءَتِهِ لَهُ إلّا بِالحَقِّ، ورُبَّما أطْلَقَتِ العَرَبُ اسْمَ الكَلامِ عَلى الخَطِّ، كَما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما بَيْنَ دَفَّتَيِ المُصْحَفِ كَلامُ اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.