أضواء البيان — الشنقيطي
إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴿١١١﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَزى أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ المُسْتَضْعَفِينَ في الدُّنْيا بِالفَوْزِ بِالجَنَّةِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِما صَبَرُوا﴾، أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ في دارِ الدُّنْيا، عَلى أذى الكُفّارِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّ أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ كانَ الكُفّارُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ، جَزاهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ الفَوْزَ بِجَنَّتِهِ، ورِضْوانَهُ، جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ مَعَ بَيانِ أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَهْزَؤُونَ بِالكُفّارِ، ويَضْحَكُونَ مِنهم، والكُفّارُ في النّارِ، والعِياذُ بِاللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٤ - ٣٥]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]
• وقَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ، وعَلى قِراءَتِهِما فَمَفْعُولُ جَزَيْتُهم: مَحْذُوفٌ، أيْ: جَزَيْتُهم جَنَّتِي إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَإنَّ لِاسْتِئْنافِ الكَلامِ، وقَرَأ الباقُونَ: أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ، بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ فالمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ، مِن أنَّ وصِلَتِها مَفْعُولٌ بِهِ لِجَزَيْتُهم، أيْ: جَزَيْتُهم فَوْزَهم كَما لا يَخْفى، والفَوْزُ نَيْلُ المَطْلُوبِ الأعْظَمِ.