×

المؤمنون

الآية ١٠٧

أضواء البيان — الشنقيطي

رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ ﴿١٠٧﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أهْلَ النّارِ يَدْعُونَ رَبَّهم فِيها فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا﴾ إلى ما لا يُرْضِيكَ بَعْدَ إخْراجِنا مِنها، فَإنّا ظالِمُونَ، وأنَّ اللَّهَ يُجِيبُهم بِقَوْلِهِ: اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ، أيِ: امْكُثُوا فِيها خاسِئِينَ، أيْ: أذِلّاءَ صاغِرَيْنِ حَقِيرِينَ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ اخْسَأْ إنَّما تُقالُ لِلْحَقِيرِ الذَّلِيلِ، كالكَلْبِ ونَحْوِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾، أيْ: ذِلُّوا فِيها ماكِثِينَ في الصَّغارِ والهَوانِ. وَهَذا الخُرُوجُ مِنَ النّارِ الَّذِي طَلَبُوهُ قَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهم لا يَنالُونَهُ؛ • كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٢]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَدْ جاءَ في القُرْآنِ أجْوِبَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِطَلَبِ أهْلِ النّارِ فَهُنا قالُوا: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ فَأُجِيبُوا ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ وفي السَّجْدَةِ ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السجدة: ١٢] فَأُجِيبُوا ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٣]، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] فَأُجِيبُوا ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] وفي الزُّخْرُفِ ﴿وَنادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فَأُجِيبُوا ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] وفي سُورَةِ إبْراهِيمَ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وفي سُورَةِ فاطِرٍ ﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] فَيُجابُونَ ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ ﴿فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾ [النجم: ٣٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأجْوِبَةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بَيْنَ كُلِّ طَلَبٍ مِنها وجَوابِهِ ألْفَ سَنَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ. وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ أيْ: في رَفْعِ العَذابِ عَنْكم، ولا إخْراجِكم مِنَ النّارِ أعاذَنا اللَّهُ، وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها.