أضواء البيان — الشنقيطي
أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ﴿١٠﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ، الَّتِي قَدَّمْنا هُمُ الوارِثُونَ، وحَذَفَ مَفْعُولَ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو الوارِثُونَ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] عَلَيْهِ. والفِرْدَوْسُ: أعْلى الجَنَّةِ، وأوْسَطُها، ومِنهُ تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - جَلَّ وعَلا -، وعَبَّرَ تَعالى عَنْ نَيْلِ الفِرْدَوْسِ هُنا باسِمِ الوِراثَةِ.
وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى الوِراثَةِ والآياتِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ المَعْنى؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٧٤] في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ: حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: عَلى صَلاتِهِمْ بِغَيْرِ واوٍ، بِصِيغَةِ الإفْرادِ وقَرَأ الباقُونَ: عَلى صَلَواتِهِمْ [المؤمنون: ٩] بِالواوِ المَفْتُوحَةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّ المُفْرَدَ الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ، إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ، كانَ صِيغَةَ عُمُومٍ كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾، أيْ: بِلا انْقِطاعٍ أبَدًا، كَما قالَ تَعالى ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقالَ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦]
كَما قَدَّمْناهُ مُسْتَوْفًى.