أضواء البيان — الشنقيطي
هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا۟ فِى رَبِّهِمْ ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ ﴿١٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ .
ما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنْواعِ عَذابِ أهْلِ النّارِ - أعاذَنا اللَّهُ وإخْوانَنا المُسْلِمِينَ مِنها، ومَن كُلِّ ما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ - جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ هُنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]؛ أيْ: قَطَّعَ اللَّهُ لَهم مِنَ النّارِ ثِيابًا، وألْبَسَهم إيّاها تَنْقَدُّ عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] والسَّرابِيلُ: هي الثِّيابُ الَّتِي هي القُمُصُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] والغَواشِي: جَمْعُ غاشِيَةٍ، وهي غِطاءٌ كاللِّحافِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ هُنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ذَكَرَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩] والحَمِيمُ: الماءُ البالِغُ شِدَّةَ الحَرارَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ الآيَة [الكهف: ٢٩] . وقَوْلُهُ هُنا ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠]؛ أيْ: يُذابُ بِذَلِكَ الحَمِيمِ إذا سُقُوهُ فَوَصَلَ إلى بُطُونِهِمْ كُلُّ ما في بُطُونِهِمْ مِنَ الشَّحْمِ والأمْعاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] والعَرَبُ تَقُولُ: صَهَرْتُ الشَّيْءَ فانْصَهَرَ، فَهو صَهِيرٌ؛ أيْ: أذَبْتُهُ فَذابَ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ يَصِفُ تَغْذِيَةَ قَطاةٍ لِفَرْخِها في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ:
؎تُرْوى لَقًى أُلْقِيَ في صَفْصَفٍ تَصْهَرُهُ الشَّمْسُ فَما يَنْصَهِرُ
؛ أيْ: تُذِيبُهُ الشَّمْسُ، فَيَصْبِرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يَذُوبُ.
وَقَوْلُهُ: والجُلُودُ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠] الَّتِي هي نائِبُ فاعِلِ ”يُصْهَرُ“ وعَلى هَذا الظّاهِرِ المُتَبادِرِ مِنَ الآيَةِ فَذَلِكَ الحَمِيمُ يُذِيبُ جُلُودَهم، كَما يُذِيبُ ما في بُطُونِهِمْ لِشِدَّةِ حَرارَتِهِ.
إذِ المَعْنى: يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ، وتُصْهَرُ بِهِ الجُلُودُ؛ أيْ: جُلُودُهم، فالألِفُ واللّامُ قامَتا مَقامَ الإضافَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: والجُلُودُ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى تُصْهَرُ، وتَقْدِيرُهُ: وتُحْرَقُ بِهِ الجُلُودُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في تَقْدِيرِ العامِلِ المَحْذُوفِ الرّافِعِ الباقِي مَعْمُولُهُ مَرْفُوعًا بَعْدَ الواوِ، قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ:
فَعَلا فُرُوعُ الأيْهَقانِ وأطْفَلَتْ بِالجَلْهَتَيْنِ ظِباؤُها ونَعامُها
يَعْنِي: وباضَ نَعامُها؛ لِأنَّ النَّعامَةَ لا تَلِدُ الطِّفْلَ، وإنَّما تَبِيضُ، بِخِلافِ الظَّبْيَةِ فَهي تَلِدُ الطِّفْلَ، ومِثالُهُ في المَنصُوبِ قَوْلُ الآخَرِ:
؎إذا ما الغانِياتِ بَرَزْنَ يَوْمًا ∗∗∗ وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونا
؎تَرى مِنّا الأُيُورَ إذا رَأوْها ∗∗∗ قِيامًا راكِعِينَ وساجِدِينا
يَعْنِي زَجَّجْنَ الحَواجِبَ، وأكْحَلْنَ العُيُونَ.
وَقَوْلُهُ:
؎وَرَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحا
؛ أيْ: وحامِلًا رُمْحًا؛ لِأنَّ الرُّمْحَ لا يُتَقَلَّدُ.
وَقَوْلُ الآخَرِ:
؎تَراهُ كَأنَّ اللَّهَ يَجْدَعُ أنْفَهُ ∗∗∗ وعَيْنَيْهِ إنْ مَوْلاهُ ثابَ لَهُ وفْرُ
يَعْنِي: ويَفْقَأُ عَيْنَيْهِ.
وَمِن شَواهِدِهِ المَشْهُورَةِ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها
يَعْنِي: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا، ومِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٩]؛ أيْ: وأخْلَصُوا الإيمانَ، أوْ ألِفُوا الإيمانَ، ومِثالُ ذَلِكَ في المَخْفُوضِ قَوْلُهم: ما كُلُّ بَيْضاءَ شَحْمَةً، ولا سَوْداءَ تَمْرَةً؛ أيْ: ولا كُلُّ سَوْداءَ تَمْرَةً، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَهِيَ انْفَرَدَتْ
بِعَطْفِ عامِلٍ مُزالٍ قَدْ بَقِي مَعْمُولُهُ دَفْعًا لِوَهْمٍ اتَّقِي
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ [الحج: ٢١] المَقامِعُ: جَمَعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ الأُولى، وفَتْحِ المِيمِ الأخِيرَةِ، ويُقالُ: مِقْمَعٌ بِلا هاءٍ، وهو في اللُّغَةِ: حَدِيدَةٌ كالمِحْجَنِ يُضْرَبُ بِها عَلى رَأْسِ الفِيلِ: وهي في الآيَةِ مَرازِبُ عَظِيمَةٌ مِن حَدِيدٍ تَضْرِبُ بِها خَزَنَةُ النّارِ رُءُوسَ أهْلِ النّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَقامِعُ: سِياطٌ مِن نارٍ، ولا شَكَّ أنَّ المَقامِعَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ مِنَ الحَدِيدِ لِتَصْرِيحِهِ تَعالى بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٩] نَزَلَ في المُبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ المُطَّلِبِ، وفي أقْرانِهِمُ المُبارِزِينَ مِنَ الكُفّارِ، وهم: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وابْنُهُ الوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأخُوهُ شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، وغَيْرِهِما.