×
الأنبياءالآية ٩

أضواء البيان — الشنقيطي

ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ ﴿٩﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ . بَيِّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآياتِ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى الأُمَمِ فَكَذَّبُوهم، وأنَّهُ وعَدَ الرُّسُلَ بِأنَّ لَهُمُ النَّصْرَ والعاقِبَةَ الحَسَنَةَ، وأنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ ذَلِكَ الوَعْدَ فَأنْجاهم. وأنْجى مَعَهم ما شاءَ أنْ يُنْجِيَهُ. والمُرادُ بِهِ مَن آمَنَ بِهِمْ مِن أُمَمِهِمْ، وأهْلَكَ المُسْرِفِينَ وهُمُ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ ولا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠] • وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ الآيَةَ [هود: ٥٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ الآيَةَ [هود: ٦٦] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ [هود: ٩٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والظّاهِرُ أنَّ ”صَدَقَ“ تَتَعَدّى بِنَفْسِها وبِالحَرْفِ، تَقُولُ: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ، وصَدَقْتُهُ في الوَعْدِ، • كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ [الأنبياء: ٩] • وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [آل عمران: ١٥٢] فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ﴿صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ - لا حاجَةَ إلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ. والإسْرافُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي كالكُفْرِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ في القُرْآنِ إطْلاقُ المُسْرِفِينَ عَلى الكُفّارِ.