×
الأنبياءالآية ٥

أضواء البيان — الشنقيطي

بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۭ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ﴿٥﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الإضْرابَ في قَوْلِهِ هُنا: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] إلَخْ، إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ لا إبْطالِيٌّ، لِأنَّهم قالُوا ذَلِكَ كُلَّهُ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي حَكاها اللَّهُ عَنْهم صَدَرَتْ مِن طائِفَةٍ مُتَّفِقَةٍ لا يَثْبُتُونَ عَلى قَوْلٍ، بَلْ تارَةً يَقُولُونَ هو ساحِرٌ، وتارَةً شاعِرٌ، وهَكَذا؛ لِأنَّ المُبْطِلَ لا يَثْبُتُ عَلى قَوْلٍ واحِدٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأقْوالِ قالَتْهُ طائِفَةٌ، كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى هَذا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعاوى الباطِلَةَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، كَرَدِّهِ دَعْواهم أنَّهُ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ في قَوْلِهِ تَعالى: وما هو ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٧]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلّا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾ [ ٣٦ ]، • وقَوْلِهِ في رَدِّ دَعْواهم أنَّهُ افْتَراهُ: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٧ - ٣٨] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [هود: ١٣]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، • وكَقَوْلِهِ في رَدِّ دَعْواهم أنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ: ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩]، • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] • وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهم فَهم لَهُ مُنْكِرُونَ أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ وأكْثَرُهم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [ ٢٣ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ المُبَيِّنَةِ إبْطالَ كُلِّ ما ادَّعَوْهُ في النَّبِيِّ ﷺ والقُرْآنِ. وَقَوْلُهُ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] أيْ: أخْلاطٌ كالأحْلامِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَراها النّائِمُ ولا حَقِيقَةَ لَها، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أحادِيثُ طسم أوْ سَرابٌ بِفَدْفَدِ تَرَقْرَقَ لِلسّارِي وأضْغاثُ حالِمِ وَعَنِ اليَزِيدِيِّ: الأضْغاثُ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ اقْتَرَحُوا عَلى نَبِيِّنا أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ كَآياتِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ؛ نَحْوِ ناقَةِ صالِحٍ، وعَصى مُوسى، ورِيحِ سُلَيْمانَ، وإحْياءِ عِيسى لِلْأمْواتِ، وإبْرائِهِ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وإيضاحُ وجْهِ التَّشْبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ هو أنَّهُ في مَعْنى: كَما أتى الأوَّلُونَ بِالآياتِ؛ لِأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإتْيانِ بِالآياتِ. فَقَوْلُكَ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالمُعْجِزَةِ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها لَوْ جاءَتْهم ما آمَنُوا، وأنَّها لَوْ جاءَتْهم وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مُسْتَأْصِلٍ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ صالِحٍ لَمّا عَقَرُوا النّاقَةَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٩] وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] . وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا في قَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦] يَعْنِي أنَّ الأُمَمَ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا الآياتِ مِن قَبْلِهِمْ وجاءَتْهم رُسُلُهم بِما اقْتَرَحُوا لَمْ يُؤْمِنُوا، بَلْ تَمادَوْا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وأنْتُمْ أشَدُّ مِنهم عُتُوًّا وعِنادًا. فَلَوْ جاءَكم ما اقْتَرَحْتُمْ ما آمَنتُمْ، فَهَلَكْتُمْ كَما هَلَكُوا. وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَبَيِّنَ أنَّهم جاءَتْهم آيَةٌ هي أعْظَمُ الآياتِ، فَيَسْتَحِقُّ مَن لَمْ يَكْتَفِ بِها التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ﴾ الآيَةَ [ ٢٩ - ٥١ ] . وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ هَذا المَعْنى يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨]، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِذَلِكَ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.