أضواء البيان — الشنقيطي
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿١١﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
”وَكَمْ“ هُنا لِلْإخْبارِ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وهي في مَحَلِّ نَصْبٍ؛ لِأنَّها مَفْعُولُ ”قَصَمْنا“ أيْ: قَصَمْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى الَّتِي كانَتْ ظالِمَةً، وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ. وهَذا المَعْنى المَذْكُورُ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ.
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ الآيَةَ [الحج: ٤٥]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٨ - ٩]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا﴾ أصْلُ القَصْمِ: أفْظَعُ الكَسْرِ؛ لِأنَّهُ الكَسْرُ الَّذِي يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ، بِخِلافِ الفَصْمِ - بِالفاءِ - فَهو كَسْرٌ لا يُبَيِّنُ تَلاؤُمَ الأجْزاءِ بِالكُلِّيَّةِ. والمُرادُ بِالقَصْمِ في الآيَةِ: الإهْلاكُ الشَّدِيدُ.