×

طه

الآية ٢٧

أضواء البيان — الشنقيطي

وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى ﴿٢٧﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: دَلَّ قَوْلُهُ ﴿عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ بِالتَّنْكِيرِ، والإفْرادِ، وإتْباعُهُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْألْ إزالَةَ جَمِيعِ ما بِلِسانِهِ مِنَ العُقَدِ، بَلْ سَألَ إزالَةَ بَعْضِها الَّذِي يَحْصُلُ بِإزالَتِهِ فَهْمُ كَلامِهِ مَعَ بَقاءِ بَعْضِها. وهَذا المَفْهُومُ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ: ﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ الآيَةَ [القصص: ٣٤]، وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، والِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِ فِرْعَوْنٍ عَنْ مُوسى، فِيهِ أنَّ فِرْعَوْنَ مَعْرُوفٌ بِالكَذِبِ، والبُهْتانِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ⁕ ⁕ ⁕ قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . لا يَخْفى أنَّهُ مِن سُؤْلِ مُوسى الَّذِي قالَ لَهُ رَبُّهُ إنَّهُ آتاهُ إيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسى﴾ [طه: ٣٦]، وذَلِكَ صَرِيحٌ في حَلِّ العُقْدَةِ مِن لِسانِهِ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الآياتِ ما يَدُلُّ عَلى بَقاءِ شَيْءٍ مِنَ الَّذِي كانَ بِلِسانِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ ولا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢] . وَقَوْلِهِ تَعالى عَنْ مُوسى: ﴿وَأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ الآيَةَ [ ٢٨ ] . والجَوابُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمْ يَسْألْ زَوالَ ما كانَ بِلِسانِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما سَألَ زَوالَ القَدْرِ المانِعِ مِن أنْ يَفْقَهُوا قَوْلَهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾، ما نَصُّهُ: وما سَألَ أنْ يَزُولَ ذَلِكَ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ بِحَيْثُ يَزُولُ العِيُّ ويَحْصُلُ لَهم فَهْمُ ما يُرِيدُ مِنهُ، وهو قَدْرُ الحاجَةِ، ولَوْ سَألَ الجَمِيعَ لَزالَ، ولَكِنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ إلّا بِحَسَبِ الحاجَةِ، ولِهَذا بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ، قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، أيْ يُفْصِحُ بِالكَلامِ. وَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾، قالَ: حَلَّ عُقْدَةً واحِدَةً، ولَوْ سَألَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ أُعْطِي. وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَكا مُوسى إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةِ لِسانِهِ، فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، وسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ يَكُونُ رِدْءًا لَهُ، ويَتَكَلَّمُ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ لِسانُهُ، فَآتاهُ سُؤْلَهُ، فَحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ. وَقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمانَ، حَدَّثَنا بَقِيَّةُ عَنْ أرْطَأةَ بْنِ المُنْذِرِ، حَدَّثَنِي بَعْضُ أصْحابِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ عَنْهُ، قالَ: أتاهُ ذُو قَرابَةٍ لَهُ فَقالَ لَهُ: ما بِكَ بَأْسٌ، لَوْلا أنَّكَ تَلْحَنُ في كَلامِكَ، ولَسْتَ تُعْرِبُ في قِراءَتِكَ، فَقالَ القُرَظِيُّ: يا ابْنَ أخِي ألَسْتُ أُفْهِمُكَ إذا حَدَّثْتُكَ ؟ قالَ نَعَمْ، قالَ: فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَألَ رَبَّهُ أنْ يَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ كَيْ يَفْقَهَ بَنُو إسْرائِيلَ قَوْلَهُ، ولَمْ يَزِدْ عَلَيْها، انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ. وَقَدْ نُقِلَ فِيهِ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ ما ذَكَرْنا مِنَ الجَوابِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ أيْضًا بِأنَّ فِرْعَوْنَ كَذَبَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا﴾ [ ٢٨ ]، يَدُلُّ عَلى اشْتِراكِهِ مَعَ هارُونَ في الفَصاحَةِ، فَكِلاهُما فَصِيحٌ، إلّا أنْ هارُونَ أفْصَحُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.