×

طه

الآية ١٥

أضواء البيان — الشنقيطي

إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ﴿١٥﴾

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ طه قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ . هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُتَوَهَّمُ مِنها أنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يُخْفِها بِالفِعْلِ ولَكِنَّهُ قارَبَ أنْ يُخْفِيَها لِأنَّ كادَ فِعْلُ مُقارَبَةٍ. وَقَدْ جاءَ في آياتٍ أُخَرَ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ أخْفاها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّ المُرادَ بِمَفاتِحِ الغَيْبِ الخَمْسُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ الآيَةَ [ ٣١ ] . وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقَوْلِهِ: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والجَوابُ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: وهو الرّاجِحُ، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي، أيْ لَوْ كانَ ذَلِكَ يُمْكِنُ، وهَذا عَلى عادَةِ العَرَبِ، لَأنَّ القُرْءانِ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، والواحِدُ مِنهم إذا أرادَ المُبالَغَةَ في كِتْمانِ أمْرٍ قالَ: كَتَمْتُهُ مِن نَفْسِي، أيْ لا أبُوحُ لِأحَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أيّامُ تَصْحَبُنِي هِنْدٌ وأُخْبِرُها ما كِدْتُ أكْتُمُهُ عَنِّي مِنَ الخَبَرِ وَنَظِيرُ هَذا مِنَ المُبالَغَةِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمُ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ» وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو صالِحٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي“، كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ. وَرَوى ابْنُ خالَوَيْهِ أنَّها في مُصْحَفِ أُبَيٍّ كَذَلِكَ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ أُظْهِرُكم عَلَيْها“، وفي بَعْضِ القِراءاتِ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ أُظْهِرُها لَكم“ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِزِيادَةِ: ”فَكَيْفَ يَعْلَمُها مَخْلُوقٌ“ كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ. الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أُخْفِي الأخْبارَ بِأنَّها آتِيَةٌ، والمَعْنى أقْرُبُ أنْ أتْرُكَ الإخْبارَ عَنْ إتْيانِها مِن أصْلِهِ لِشِدَّةِ إخْفائِي لِتَعْيِينِ وقْتِ إتْيانِها. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الهَمْزَةَ في قَوْلِهِ: أُخْفِيها، هي هَمْزَةُ السَّلْبِ لِأنَّ العَرَبَ كَثِيرًا ما تَجْعَلُ الهَمْزَةَ أداةً لِسَلْبِ الفِعْلِ، كَقَوْلِهِمْ: شَكا إلَيَّ فُلانٌ فَأشْكَيْتُهُ أيْ أزَلْتُ شِكايَتَهُ، وقَوْلِهِمْ: عَقَلَ البَعِيرَ فَأعْقَلْتُهُ، أيْ أزَلْتُ عِقالَهُ. وَعَلى هَذا فالمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أيْ أُزِيلُ خَفاءَها بِأنْ أُظْهِرَها لِقُرْبِ وقْتِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [ ٥٤ ]، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ونَقَلَهُ النَّيْسابُورِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي الفَتْحِ المَوْصِلِيِّ. وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ: ؎فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُخْفِهِ ∗∗∗ وإنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدُ عَلى رِوايَةِ ضَمِّ النُّونِ مِن: لا نُخْفِهِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ المُثَنّى أنَّهُ قالَ: أنْشَدَنِيهِ أبُو الخَطّابِ عَنْ أهْلِهِ في بَلَدِهِ بِضَمِّ النُّونِ مِن: لا نُخْفِهِ، ومَعْناهُ: لا نُظْهِرُهُ. أمّا عَلى الرِّوايَةِ المَشْهُورَةِ بِفَتْحِ النُّونِ مِن: لا نَخْفِهِ، فَلا شاهِدَ في البَيْتِ إلّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ”أكادُ أخْفِيها“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ومِمَّنْ قَرَأ بِذَلِكَ أبُو الدَّرْداءِ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ، وإطْلاقُ خَفاهُ يَخْفِيهِ بِفَتْحِ الياءِ بِمَعْنى أظْهَرَهُ إطْلاقٌ مَشْهُورٌ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِهِ لا تَخْلُو مِن شُذُوذٍ. وَمِنهُ البَيْتُ المَذْكُورُ عَلى رِوايَةِ فَتْحِ النُّونِ وقَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ أوْ غَيْرِهِ: ؎دَأبَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا ∗∗∗ بِأرِيكَيْنِ يُخْفِيانِ غَمِيرًا أيْ يُظْهِرانِهِ. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎خَفاهُنَّ مِن إنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ خَفاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلَّبِ الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ خَبَرَ كادَ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُظْهِرُها، فَحَذَفَ الخَبَرَ ثُمَّ ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥]، ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ البُرْجُمِيِّ: ؎هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ تَرَكَتْ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ يَعْنِي: وكِدْتُ أفْعَلُ. الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ كادَ تَأْتِي بِمَعْنى أرادَ، وعَلَيْهِ فَمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أُرِيدُ أنَّ أُخْفِيَها، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الأخْفَشُ وابْنُ الأنْبارِيِّ وأبُو مُسْلِمٍ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ الألُوسِيُّ وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ جِنِّي في المُحْتَسَبِ، ومِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ، قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ ∗∗∗ لَوْ عادَ مِن لَهْوِ الصَّبابَةِ ما مَضى كَما نَقَلَهُ الألُوسِيُّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ مِن مَجِيءٍ كادَ بِمَعْنى أرادَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ [ ١٢ ]، أيْ أرَدْنا لَهُ كَما ذَكَرَهُ النَّيْسابُورِيُّ وغَيْرُهُ. وَمِنهُ قَوْلُ العَرَبِ لا أفْعَلُ كَذا ولا أكادُ أيْ لا أُرِيدُ كَما نَقَلَهُ بَعْضُهم. الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّ كادَ مِنَ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ عَسى في كَلامِهِ تَعالى نَحْوَ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]، أيْ هو قَرِيبٌ. وَعَلى هَذا فَمَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أنا أُخْفِيها. الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّ كادَ صِلَةٌ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ ﴿لِتُجْزى﴾ الآيَةَ، واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِ زِيدِ الخَيْلِ: ؎سَرِيعٌ إلى الهَيْجاءِ شاكٍ سِلاحُهُ ∗∗∗ فَما أنْ يَكادَ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ أيْ فَما يَتَنَفَّسُ قِرْنُهُ، قالُوا: ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]، أيْ لَمْ يَرَها، وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ∗∗∗ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ أيْ لَمْ يَبْرَحْ عَلى قَوْلِ هَذا القائِلِ. قالُوا: ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي النَّجْمِ: ؎وَإنْ أتاكَ نَعِيٌّ فانْدُبَنَّ أبًا ∗∗∗ قَدْ كادَ يَطَّلِعُ الأعْداءُ والخُطُبا أيْ قَدِ اطَّلَعَ الأعْداءُ. وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أرْجَحَ الأقْوالِ الأوَّلُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.