أضواء البيان — الشنقيطي
قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴿١٣٥﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَقُولَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ عِنادًا وتَعَنُّتًا: كُلٌّ مِنّا ومِنكم مُتَرَبِّصٌ، أيْ: مُنْتَظِرٌ ما يَحِلُّ بِالآخَرِ مِنَ الدَّوائِرِ، كالمَوْتِ، والغَلَبَةِ. وقَدْ أوْضَحَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ ما يَنْتَظِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ والمُسْلِمُونَ كُلُّهُ خَيْرٌ، بِعَكْسِ ما يَنْتَظِرُهُ ويَتَرَبَّصُ الكُفّارُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ سَيَعْلَمُونَ في ثانِي حالٍ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى. أيْ: وُفِّقَ لِطَرِيقِ الصَّوابِ، والدَّيْمُومَةِ عَلى ذَلِكَ. وأمَرَ نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ لِلْكُفّارِ. والمَعْنى: سَيَتَّضِحُ لَكم أنّا مُهْتَدُونَ، وأنّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وأنَّكم عَلى ضَلالٍ وباطِلٍ. وهَذا يَظْهَرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ، ويَظْهَرُ لَهم في الدُّنْيا لِما يَرَوْنَهُ مَن نَصْرِ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ .
وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والصِّراطُ في لُغَةِ العَرَبِ: الطَّرِيقُ الواضِحُ. والسَّوِيُّ: المُسْتَقِيمُ، وهو الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ. ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمُ و ”مَن“ في قَوْلِهِ مَن أصْحابُ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي مَوْصُولَةٌ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ ”تَعْلَمُونَ“ . وقالَ بَعْضُهم: هي اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في ”مَرْيَمَ“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.