أضواء البيان — الشنقيطي
ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴿٤٦﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾، المُرادُ بِالظَّنِّ هُنا: اليَقِينُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ . هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الظَّنَّ يَكْفِي في أُمُورِ المَعادِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨] ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ والعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ بِمَعْنى اليَقِينِ ومَعْنى الشَّكِّ، وإتْيانُ الظَّنِّ بِمَعْنى اليَقِينِ كَثِيرٌ في القُرْءانِ وفي كَلامِ العَرَبِ. فَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْءانِ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ . . . . . . الآيَةَ [البقرة: ٢٤٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ [الكهف: ٥٣]، أيْ أيْقَنُوا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، أيْ أيْقَنْتُ.
وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عُمَيْرَةَ بْنِ طارِقٍ:
؎بِأنْ تَغْتَرُوا قَوْمِي وأقْعُدَ فِيكُمُ وأجْعَلَ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّما
أيْ أجْعَلُ مِنِّي اليَقِينَ غَيْبًا.
وَقَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ
فَقَوْلُهُ: ظُنُّوا أيْ أيْقِنُوا.