أضواء البيان — الشنقيطي
قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةً ۚ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ﴿١٠﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ .
المُرادُ بِالآيَةِ هُنا العَلامَةُ، أيِ: اجْعَلْ لِي عَلامَةً أعْلَمُ بِها وُقُوعَ ما بُشِّرْتُ بِهِ مِنَ الوَلَدِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: طَلَبَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ لِتَتِمَّ طُمَأْنِينَتُهُ بِوُقُوعِ ما بُشِّرَ بِهِ، ونَظِيرُهُ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقِيلَ: أرادَ بِالعَلّامَةِ أنْ يَعْرِفَ ابْتِداءَ حَمْلِ امْرَأتِهِ؛ لِأنَّ الحَمْلَ في أوَّلِ زَمَنِهِ يَخْفى.
وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ، أيْ: أنْ تُمْنَعَ الكَلامَ فَلا تُطِيقُهُ ثَلاثَ لَيالٍ بِأيّامِهِنَّ في حالِ كَوْنِكَ سَوِيًّا، أيْ: سَوِيَّ الخَلْقِ، سَلِيمَ الجَوارِحِ، ما بِكَ خَرَسٌ ولا بُكْمٌ ولَكِنَّكَ مَمْنُوعٌ مِنَ الكَلامِ عَلى سَبِيلِ خَرْقِ العادَةِ، كَما قَدَّمْنا في ”آلِ عِمْرانَ“، أمّا ذِكْرُ اللَّهِ فَلَيْسَ مَمْنُوعًا مِنهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ [آل عمران: ٤١]، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى، ﴿ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾، أيْ: ثَلاثَ لَيالٍ مُتَتابِعاتٍ غَيْرُ صَوابٍ، بَلْ مَعْناهُ هو ما قَدَّمْنا مِن كَوْنِ اعْتِقالِ لِسانِهِ عَنْ كَلامِ قَوْمِهِ لَيْسَ لِعِلَّةٍ ولا مَرَضٍ حَدَثَ بِهِ، ولَكِنْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ قالَ تَعالى هُنا ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَها أيّامَها، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الأيّامَ في ”آلِ عِمْرانَ“، في قَوْلِهِ: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]، فَدَلَّتِ الآيَتانِ عَلى أنَّها ثَلاثُ لَيالِي بِأيّامِهِنَّ.
وَقَوْلُـهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾، يَعْنِي إلّا بِالإشارَةِ أوِ الكِتابَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، وقَوْلُـهُ في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [آل عمران: ٤١]؛ لِأنَّ الرَّمْزَ: الإشارَةُ والإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ والحاجِبِ، والإيحاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الإشارَةُ وهو الأظْهَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿إلّا رَمْزًا﴾ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الوَحْيَ في الآيَةِ الإشارَةُ: قَتادَةُ، والكَلْبِيُّ، وابْنُ مُنَبِّهٍ، والعُتْبِيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾، أيْ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: كَتَبَ لَهم في كِتابٍ، والوَحْيُ في لُغَةِ العَرَبِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ إلْقاءٍ في سُرْعَةٍ وخَفاءٍ، ولِذَلِكَ أطْلَقَ عَلى الإلْهامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٦٨]، وعَلى الإشارَةِ كَما هو الظّاهِرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا﴾ الآيَةَ [مريم: ١١]، ويُطْلَقُ عَلى الكِتابَةِ كَما هو القَوْلُ الآخَرُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وإطْلاقُ الوَحْيِ عَلى الكِتابَةِ مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَمَدافِعُ الرَّيّانِ عُرِّيَ رَسْمُها خَلَقًا كَما ضَمِنَ الوُحِيُّ سِلامُها
فَقَوْلُهُ ”الوُحِيُّ“ بِضَمِّ الواوِ وكَسْرِ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ، جَمْعُ وحَيٍ بِمَعْنى الكِتابَةِ.
وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎كَوَحْيِ صَحائِفَ مِن عَهْدِ كِسْرى ∗∗∗ فَأهْداها لِأعْجَمَ طِمْطِمِي
وَقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎سِوى الأرْبَعِ الدُّهْمِ اللَّواتِي كَأنَّها ∗∗∗ بَقِيَّةٌ وُحِيٍّ في ونِّ الصَّحائِفِ
وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎كَأنَّ أخا الكِتابِ يَخُطُّ وحَيًا ∗∗∗ بِكافٍ في مَنازِلِها ولامِ