أضواء البيان — الشنقيطي
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ ذَلِكَ المَلِكَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ، صَحِيحَةً كانَتْ أوْ مَعِيبَةً، ولَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِن آيَةٍ أُخْرى أنَّهُ لا يَأْخُذُ المَعِيبَةَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]، أيْ: لِئَلّا يَأْخُذَها، وذَلِكَ هو الحِكْمَةُ في خَرْقِهِ لَها المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾ [الكهف: ٧١]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ قَصْدَهُ بِخَرْقِها سَلامَتُها لِأهْلِها مِن أخْذَ ذَلِكَ المَلِكِ الغاصِبِ؛ لِأنَّ عَيْبَها يُزَهِّدُهُ فِيها؛ ولِأجْلِ ما ذَكَرْنا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِثالًا عِنْدَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ لِحَذْفِ النَّعْتِ، أيْ: وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ مَعِيبَةٍ بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنا.
وَقَدْ قَدَّمْنا الشَّواهِدَ العَرَبِيَّةَ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٨]، واسْمُ ذَلِكَ المَلِكِ: هُدَدُ بْنُ بَدْرٍ: وقَوْلُهُ ﴿وَراءَهُمْ﴾ أيْ: أمامَهم كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ عَيْبَها يَكُونُ سَبَبًا لِتَرْكِ المَلِكِ الغاصِبِ لَها، ولِذَلِكَ خَرَقَها الخَضِرُ، وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] يَقْتَضِي أخْذَ المَلِكِ لِلْمَعِيبَةِ والصَّحِيحَةِ مَعًا.
والجَوابُ أنَّ في الكَلامِ حَذْفَ الصِّفَةِ، وتَقْدِيرُهُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ صَحِيحَةٍ، وحَذْفُ النَّعْتِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ جائِزٌ، كَما أشارَ لَهُ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَما مِنَ المَنعُوتِ والنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وفي النَّعْتِ يَقِلْ
وَمِن شَواهِدِ حَذْفِ الصِّفَةِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَرُبَّ أسِيلَةِ الخَدَّيْنِ بِكْرٍ ∗∗∗ مُهَفْهَفَةٍ لَها فَرْعٌ وجِيدٌ
أيْ لَها فَرْعٌ فاحِمٌ وجِيدٌ طَوِيلٌ.
وَقَوْلُ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ الأُسَيِّدِيِّ:
؎مِن قَوْلِهِ قَوْلٌ ومِن فِعْلِهِ ∗∗∗ فِعْلٌ ومِن نائِلِهِ نائِلٌ
يَعْنِي مِن قَوْلِهِ قَوْلٌ فَصْلٌ، وفِعْلِهِ فِعْلٌ جَمِيلٌ، ونائِلُهُ نائِلٌ جَزْلٌ.