×

الكهف

الآية ٥٣

أضواء البيان — الشنقيطي

وَرَءَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا۟ عَنْهَا مَصْرِفًا ﴿٥٣﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُجْرِمِينَ يَرَوْنَ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها، أيْ: مُخالِطُوها وواقِعُونَ فِيها. والظَّنُّ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّهم أبْصَرُوا الحَقائِقَ وشاهَدُوا الواقِعَ. وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهم مُوقِنُونَ بِالواقِعِ؛ كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨]، ومِن إطْلاقِ الظَّنِّ عَلى اليَقِينِ [ قَوْلُـهُ ] تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]، أيْ: يُوقِنُونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]، فالظَّنُّ في هَذِهِ الآياتِ كُلِّها بِمَعْنى اليَقِينِ، والعَرَبُ تُطْلِقُ الظَّنَّ عَلى اليَقِينِ وعَلى الشَّكِّ، ومِن إطْلاقِهِ عَلى اليَقِينِ في كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: ؎فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهم في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ وَقَوْلُ عَمِيرَةَ بْنِ طارِقٍ: ؎بِأنْ تَغْتَزُوا قَوْمِي وأقْعُدُ فِيكُمُ ∗∗∗ وأجْعَلُ مِنِّي الظَّنَّ غَيْبًا مُرَجَّما وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُجْرِمِينَ يَرَوْنَ النّارَ، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّها هي تَراهم أيْضًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١١ - ١٢]، وما جَرى عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ مِن أنَّ الظَّنَّ جُلُّ الِاعْتِقادِ اصْطِلاحٌ لِلْأُصُولِيِّينَ والفُقَهاءِ، ولا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾، المَصْرِفُ: المَعْدِلُ، أيْ: ولَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ ويَعْدِلُونَ إلَيْهِ، لِيَتَّخِذُوهُ مَلْجَأً ومُعْتَصَمًا يَنْجُونَ فِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ، ومِن إطْلاقِ المَصْرِفِ عَلى المَعْدِلِ بِمَعْنى مَكانِ الِانْصِرافِ لِلِاعْتِصامِ بِذَلِكَ المَكانِ قَوْلُ أبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ: ؎أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةَ مِن مَصْرِفِ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ وَقَوْلُـهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾، مِن رَأى البَصَرِيَّةِ، فَهي تَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي عَنِ المُسْتَقْبَلِ نَظَرًا لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، فَكانَ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كالواقِعِ بِالفِعْلِ، كَما تَقَدَّمَ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.