×

الإسراء

الآية ٨١

أضواء البيان — الشنقيطي

وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ ۚ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴿٨١﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾، الحَقُّ في لُغَةِ العَرَبِ: الثّابِتُ الَّذِي لَيْسَ بِزائِلٍ ولا مُضْمَحِلٍّ، والباطِلُ: هو الذّاهِبُ المُضْمَحِلُّ. والمُرادُ بِالحَقِّ في هَذِهِ الآيَةِ: هو ما في هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ والسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مِن دِينِ الإسْلامِ، والمُرادُ بِالباطِلِ فِيها: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، والمَعاصِي المُخالِفَةُ لِدِينِ الإسْلامِ. وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الإسْلامَ جاءَ ثابِتًا راسِخًا، وأنَّ الشِّرْكَ بِاللَّهِ زَهَقَ؛ أيْ ذَهَبَ واضْمَحَلَّ وزالَ. تَقُولُ العَرَبُ: زَهَقَتْ نَفْسُهُ: إذا خَرَجَتْ وزالَتْ مِن جَسَدِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا أنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا، أيْ مُضْمَحِلًّا غَيْرَ ثابِتٍ في كُلِّ وقْتٍ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وذَكَرَ أنَّ الحَقَّ يُزِيلُ الباطِلَ ويُذْهِبُهُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٨، ٤٩]، وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾ . وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ، وحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُها بِعُودٍ في يَدِهِ ويَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾» [الإسراء: ٨١]، ﴿جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾ [سبإ: ٤٩] . وَأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «دَخَلْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُكِبَّتْ لِوَجْهِها، وقالَ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾» [الإسراء: ٨١] . وَأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ، وعَلى الكَعْبَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا، فَشَدَّ لَهم إبْلِيسُ أقْدامَها بِالرَّصاصِ؛ فَجاءَ ومَعَهُ قَضِيبٌ فَجَعَلَ يَهْوِي إلى كُلِّ صَنَمٍ مِنها فَيَخِرُّ لِوَجْهِهِ فَيَقُولُ: ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]، حَتّى مَرَّ عَلَيْها كُلِّها» . وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى كَسْرِ نُصُبِ المُشْرِكِينَ وجَمِيعِ الأوْثانِ إذا غُلِبَ عَلَيْهِمْ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى كَسْرُ آلَةِ الباطِلِ كُلِّهِ وما لا يَصْلُحُ إلّا لِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كالطَّنابِيرِ والعِيدانِ والمَزامِيرِ الَّتِي لا مَعْنى لَها إلّا اللَّهْوُ بِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفي مَعْنى الأصْنامِ: الصُّوَرُ المُتَّخَذَةُ مِنَ المَدَرِ والخَشَبِ وشِبْهِها، وكُلُّ ما يَتَّخِذُهُ النّاسُ مِمّا لا مَنفَعَةَ فِيهِ إلّا اللَّهْوُ المَنهِيُّ عَنْهُ، ولا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنهُ إلّا الأصْنامَ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والرَّصاصِ إذا غُيِّرَتْ عَمّا هي عَلَيْهِ وصارَتْ نِقَرًا أوْ قِطَعًا فَيَجُوزُ بَيْعُها والشِّراءُ بِها. قالَ المُهَلَّبُ: وما كُسِرَ مِن آلاتِ الباطِلِ وكانَ في حَبْسِها بَعْدَ كَسْرِها مَنفَعَةٌ فَصاحِبُها أوْلى بِها مَكْسُورَةً، إلّا أنْ يَرى الإمامُ حَرْقَها بِالنّارِ عَلى مَعْنى التَّشْدِيدِ والعُقُوبَةِ في المالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ حَرْقُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقَدْ هَمَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَحْرِيقِ دُورِ مَن تَخَلَّفَ عَنْ صَلاةِ الجَماعَةِ، وهَذا أصْلٌ في العُقُوبَةِ في المالِ، مَعَ «قَوْلِهِ ﷺ في النّاقَةِ الَّتِي لَعَنَتْها صاحِبَتُها ”دَعُوها فَإنَّها مَلْعُونَةٌ“»، فَأزالَ مِلْكَها عَنْها تَأْدِيبًا لِصاحِبَتِها، وعُقُوبَةً لَها فِيما دَعَتْ عَلَيْهِ بِما دَعَتْ بِهِ، وقَدْ أراقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَبَنًا شِيبَ بِماءٍ عَلى صاحِبِهِ. اهـ الغَرَضُ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى. . وَقَوْلُهُ ﷺ: «واللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ» الحَدِيثَ، مِن قَبِيلِ ما ذَكَرْنا دَلالَةَ الآيَةِ عَلَيْهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.