أضواء البيان — الشنقيطي
إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٩٩﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الشَّيْطانَ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى المُؤْمِنِينَ المُتَوَكِّلِينَ عَلى اللَّهِ، وأنَّ سُلْطانَهُ إنَّما هو عَلى أتْباعِهِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ، والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ.
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى السُّلْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ.
فَقالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: هو الحُجَّةُ، أيْ: لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ حُجَّةٌ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ.
وَقالَ بَعْضُهم: لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَيْهِمْ، أيْ: تَسَلُّطٌ وقُدْرَةٌ عَلى أنْ يُوقِعَهم في ذَنْبٍ لا تَوْبَةَ مِنهُ. وقَدْ قَدَّمْنا هَذا، والمُرادُ: بِ: ﴿الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠]، الَّذِينَ يُطِيعُونَهُ فَيُوالُونَهُ بِالطّاعَةِ.
وَأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: ﴿هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠]، أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الشَّيْطانِ لا إلى اللَّهِ. ومَعْنى كَوْنِهِمْ مُشْرِكِينَ بِهِ هو طاعَتُهم لَهُ في الكُفْرِ والمَعاصِي؛ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠]، وقَوْلُهُ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: ٤٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وأمّا سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ فَهو ما جَعَلُوهُ لَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الطّاعَةِ والِاتِّباعِ والمُوالاةِ، بِغَيْرِ مُوجِبٍ يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ.
فَإنَّهُ قِيلَ: أثْبَتَ اللَّهُ لِلشَّيْطانِ سُلْطانًا عَلى أوْلِيائِهِ في آياتٍ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ. . .﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فالِاسْتِثْناءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ سُلْطانًا عَلى مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الغاوِينَ؛ مَعَ أنَّهُ نَفى عَنْهُ السُّلْطانَ عَلَيْهِمْ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلّا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٠ - ٢١] .
وَقَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [الناس: ٢٢] .
فالجَوابُ هو: أنَّ السُّلْطانَ الَّذِي أثْبَتَهُ لَهُ عَلَيْهِمْ غَيْرُ السُّلْطانِ الَّذِي نَفاهُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ السُّلْطانَ المُثْبَتَ لَهُ هو سُلْطانُ إضْلالِهِ لَهم بِتَزْيِينِهِ، والسُّلْطانُ المَنفِيُّ هو سُلْطانُ الحُجَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ مِن حُجَّةٍ يَتَسَلَّطُ بِها، غَيْرَ أنَّهُ دَعاهم فَأجابُوهُ بِلا حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ. وإطْلاقُ السُّلْطانِ عَلى البُرْهانِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا ابْتِداءً البَتَّةَ، ولَكِنَّهم هُمُ الَّذِينَ سَلَّطُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعاتِهِ ودُخُولِهِمْ في حِزْبِهِ، فَلَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَيْهِمْ بِقُوَّةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، وإنَّما تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بِإرادَتِهِمْ واخْتِيارِهِمْ.
ذَكَرَ هَذا الجَوابَ بِوَجْهَيْهِ العَلّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) .