أضواء البيان — الشنقيطي
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ شَيْـًٔا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿٧٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِّنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ بِإنْزالِ المَطَرِ، ولا مِنَ الأرْضِ بِإنْباتِ النَّباتِ. وأكَّدَ عَجْزَ مَعْبُوداتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوا، والِاسْتِطاعَةُ مَنفِيَّةٌ عَنْهم أصْلًا؛ لِأنَّهم جَمادٌ لَيْسَ فِيهِ قابِلِيَّةُ اسْتِطاعَةِ شَيْءٍ.
وَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ إلّا مَن يَرْزُقُ الخَلْقَ؛ لِأنَّ أكْلَهم رِزْقَهُ، وعِبادَتَهم غَيْرَهُ كُفْرٌ ظاهِرٌ لِكُلِّ عاقِلٍ. وهَذا المَعْنى المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣١]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
تَنْبِيهٌ.
فِي قَوْلِهِ: شَيْئًا [النحل: ٧٣]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ الإعْرابِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: رِزْقًا، مَصْدَرٌ، وأنَّ:، شَيْئًا، مَفْعُولٌ بِهِ لِهَذا المَصْدَرِ؛ أيْ: ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَهم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ. ونَظِيرُ هَذا الإعْرابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٤ - ١٥]، فَقَوْلُهُ: يَتِيمًا مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو إطْعامٌ، أيْ: أنْ يُطْعِمَ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ. ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ المَرّارِ بْنِ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيِّ:
؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ
فَقَوْلُهُ: ”رُءُوسَ قَوْمٍ“ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ المُنْكَرِ الَّذِي هو قَوْلُهُ ”بِضَرْبٍ“، وإلى هَذا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎بِفِعْلِهِ المَصْدَرَ الحَقِ في العَمَلِ ∗∗∗ مُضافًا أوْ مُجَرَّدًا أوْ مَعَ ال
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: شَيْئًا، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ رِزْقًا، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالرِّزْقِ هو ما يَرْزُقُهُ اللَّهُ عِبادَهُ؛ لا المَعْنى المَصْدَرِيُّ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شَيْئًا ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ: يَمْلِكُ، أيْ: لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ المُلْكِ، بِمَعْنى لا يَمْلِكُ مُلْكًا قَلِيلًا أنْ يَرْزُقَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ .
نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خَلَقَهُ أنْ يَضْرِبُوا لَهُ الأمْثالَ، أيْ: يَجْعَلُوا لَهُ أشْباهًا ونُظَراءَ مِن خَلْقِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ! .
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.