×

النحل

الآية ٢٨

أضواء البيان — الشنقيطي

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا۟ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوٓءٍۭ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، أيْ: الِاسْتِسْلامَ والخُضُوعَ. والمَعْنى: أظْهَرُوا كَمالَ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وتَرَكُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّقاقِ. وذَلِكَ عِنْدَما يُعايِنُونَ المَوْتَ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ. يَعْنِي: أنَّهم في الدُّنْيا يُشاقُّونَ الرُّسُلَ، أيْ: يُخالِفُونَهم ويُعادُونَهم، فَإذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، أيْ: خَضَعُوا واسْتَسْلَمُوا وانْقادُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ. وَمِمّا يَدُلُّ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِإلْقاءِ السَّلَمِ: الخُضُوعُ والِاسْتِسَلامُ، قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ بِلا ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ. بِمَعْنى الِانْقِيادِ والإذْعانِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩١] . والقَوْلُ بِأنَّ السَّلَمَ في الآيَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ: الصُّلْحُ والمُهادَنَةُ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ المُصالِحَ مُنْقادٌ مُذْعِنٌ لِما وافَقَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ السُّوءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، فَكُلُّهُ بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ. والِانْقِيادُ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ لا يَنْفَعُ، كَما قَدَّمْنا، وكَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٨٥] وَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في حالِ كَوْنِهِمْ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، وقالُوا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَقَوْلُهُ ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ بِلا خِلافٍ. والمَعْنى: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ السُّوءِ، وهو الكُفْرُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ والمَعاصِي. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ كَذِبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] . وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما ذَكَرَ هُنا. وبَيَّنَ كَذِبَهم في ذَلِكَ أيْضًا؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٧٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]، أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَمَسُّونا بِسُوءٍ؛ لِأنّا لَمْ نَفْعَلْ ما نَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وَقَوْلُهُ هُنا: ”بَلى“ [النحل: ٢٨]، تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ . تَنْبِيهٌ. لَفْظَةُ: ”بَلى“ لا تَأْتِي في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إلّا لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ، لا ثالِثَ لَهُما: الأوَّلُ: أنْ تَأْتِيَ لِإبْطالِ نَفْيٍ سابِقٍ في الكَلامِ، فَهي نَقِيضَةُ ”لا“؛ لِأنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإثْباتِ، و ”بَلى“، لِنَفْيِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَهَذا النَّفْيُ نَفَتْهُ لَفْظَةُ ”بَلى“، أيْ: كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ السُّوءَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وكَقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، فَإنَّهُ نَفى هَذا النَّفْيَ بِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٢]، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. الثّانِي: أنْ تَكُونَ جَوابًا لِاسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ خاصَّةً؛ • كَقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١]، • وقَوْلِهِ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى﴾ [غافر: ٥٠]، وهَذا أيْضًا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. أمّا إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ فَجَوابُهُ بِ ”، نَعَمْ“ لا بِـ ”، بَلى“، وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ المُقْتَرِنِ بِنَفْيٍ و ”نَعَمْ“ مَسْمُوعٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ؛ كَقَوْلِهِ: ؎ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وإيّانا فَذاكَ لَنا تَدانِي نَعَمْ ؎وَتَرى الهِلالَ كَما أراهُ ∗∗∗ ويَعْلُوها النَّهارُ كَما عَلانِي فالمَحَلُّ لِـ ”بَلى“ لا لِـ ”نَعَمْ“ في هَذا البَيْتِ. فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَكْتُمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ. مَعَ أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّهم لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] . فالجَوابُ: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّهم يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ: ”واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ“؛ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، فالكَتْمُ بِاعْتِبارِ النُّطْقِ بِالجُحُودِ وبِالألْسِنَةِ، وعَدَمُ الكَتْمِ بِاعْتِبارِ شَهادَةِ أعْضائِهِمْ عَلَيْهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.