×

الحجر

الآية ٩٠

أضواء البيان — الشنقيطي

كَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ ﴿٩٠﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ . فِي المُرادِ بِالمُقْتَسِمِينَ أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ مَعْرُوفَةٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، إلّا أنَّ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةً تُضَعِّفُ بَعْضَ تِلْكَ الأقْوالِ: الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ومُخالَفَتِهِمْ، وعَلى هَذا القَوْلِ؛ فالِاقْتِسامُ افْتِعالٌ مِنَ القَسَمِ بِمَعْنى اليَمِينِ، وهو بِمَعْنى التَّقاسُمِ. وَمِنَ الآياتِ الَّتِي تُرْشِدُ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ الآيَةَ [النمل: ٤٩]، أيْ: نَقْتُلُهم لَيْلًا، وقَوْلُهُ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ [الأعراف: ٤٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. فَكَأنَّهم كانُوا لا يُكَذِّبُونَ بِشَيْءٍ إلّا أقْسَمُوا عَلَيْهِ؛ فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ. القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: اليَهُودُ والنَّصارى. وإنَّما وُصِفُوا بِأنَّهم مُقْتَسِمُونَ؛ لِأنَّهُمُ اقْتَسَمُوا كُتُبَهم فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها. وَيَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٠] . القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالمُقْتَسِمِينَ: جَماعَةٌ مِن كُفّارِ مَكَّةَ اقْتَسَمُوا القُرْآنَ بِأقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هو شِعْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ. وقالَ بَعْضُهم: كَهانَةٌ. وقالَ بَعْضُهم: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقالَ بَعْضُهم: اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ، ﷺ . وَهَذا القَوْلُ تَدُلُّ لَهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهم قالُوا في القُرْآنِ تِلْكَ الأقْوالَ المُفْتَراةَ الكاذِبَةَ، • كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]، • وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النحل: ٢٤]، • وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والقَرِينَةُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ تُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الثّالِثَ، ولا تُنافِي الثّانِيَ بِخِلافِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] أظْهَرُ في القَوْلِ الثّالِثِ؛ لِجَعْلِهِمْ لَهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً بِحَسَبِ اخْتِلافِ أقْوالِهِمُ الكاذِبَةِ، كَقَوْلِهِمْ: شِعْرٌ، سِحْرٌ، كَهانَةٌ، إلَخْ. وَعَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ: فالمُرادُ بِالقُرْآنِ كُتُبُهُمُ الَّتِي جَزَّؤُوها، فَآمَنُوا بِبَعْضِها وكَفَرُوا بِبَعْضِها، أوِ القُرْآنُ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِما وافَقَ هَواهُهم مِنهُ وكَفَرُوا بِغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ ﴿عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] جَمْعُ عِضَةٍ، وهي العُضْوُ مِنَ الشَّيْءِ، أيْ: جَعَلُوهُ أعْضاءَ مُتَفَرِّقَةً. واللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها واوٌ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ المَحْذُوفَةُ أصْلُها هاءٌ، وعَلَيْهِ فَأصْلُ العِضَةِ عِضْهَةٌ. والعَضَهُ: السِّحْرُ؛ فَعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى: جَعَلُوا القُرْآنَ سِحْرًا؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ [القصص: ٤٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. والعَرَبُ تُسَمِّي السّاحِرَ عاضِهًا، والسّاحِرَةَ عاضِهَةً. والسِّحْرَ عِضَهًا. ويُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لُغَةُ قُرَيْشٍ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أعُوذُ بِرَبِّي مِنَ النّافِثا تِ في عُقَدِ العاضِهِ المُعْضِهِ. تَنْبِيهٌ. فَإنْ قِيلَ: بِمَ تَتَعَلَّقُ الكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ؟ [الحجر: ٩٠] . فالجَوابُ: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ، قالَ: فَإنْ قُلْتَ بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا﴾ ؟ قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧]، أيْ: أنْزَلْنا عَلَيْكَ مِثْلَ ما أنْزَلْنا عَلى أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ المُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ، حَيْثُ قالُوا بِعِنادِهِمْ وعُدْوانِهِمْ: بَعْضُهُ حَقٌّ مُوافِقٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وبَعْضُهُ باطِلٌ مُخالِفٌ لَهُما، فاقْتَسَمُوهُ إلى حَقٍّ وباطِلٍ وعَضُّوهُ. وقِيلَ: كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُ بَعْضُهم: ”سُورَةُ البَقَرَةِ“ لِي، ويَقُولُ الآخَرُ: ”سُورَةُ آلِ عِمْرانَ“ لِي، إلى أنْ قالَ: الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ المُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩]، أيْ: وأنْذِرْ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْناهُ مِنَ العَذابِ عَلى المُقْتَسِمِينَ (يَعْنِي اليَهُودَ)، وهو ما جَرى عَلى قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. جَعَلَ المُتَوَقَّعَ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ وهو مِنَ الإعْجازِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ وقَدْ كانَ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ. وَنَقَلَ كَلامَهُ بِتَمامِهِ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ المُحِيطِ“ ثُمَّ قالَ أبُو حَيّانَ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ وهو تَعَلُّقُ: كَما [الحجر: ٩٠] بِ: أتَيْناكَ [الحجر: ٨٧]، فَذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرِ، وهو أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي إيتاءً كَما أنْزَلْنا، أوْ إنْزالًا كَما أنْزَلْنا؛ لِأنَّ ”آتَيْناكَ“ بِمَعْنى: أنْزَلْنا عَلَيْكَ.