أضواء البيان — الشنقيطي
إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ ﴿٤٥﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ .
بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُتَّقِينَ يَوْمَ القِيامَةِ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ، ويُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ صِفاتِ ثَوابِهِمْ، ورُبَّما بَيَّنَ بَعْضَ تَقْواهُمُ الَّتِي نالُوا بِها هَذا الثَّوابَ الجَزِيلَ
• كَقَوْلِهِ في الذّارِياتِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهم إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]
• وقَوْلِهِ في الدُّخانِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلًا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٧]
• وقَوْلِهِ في الطُّورِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ١٧ - ٢٠] .
وَقَوْلِهِ في القَمَرِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] وقَوْلِهِ في المُرْسَلاتِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ بَيَّنّا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَهُ أوْصافٌ مُتَعَدِّدَةٌ في القُرْآنِ نُبَيِّنُ أوْصافَهُ عِنْدَ ذِكْرِ بَعْضِها، كَما تَقَدَّمَ مِثالُهُ مِرارًا وكَما هُنا.
والمُتَّقِي اسْمُ فاعِلِ الِاتِّقاءِ، وأصْلُ مادَّةِ الِاتِّقاءِ (وق ي) لَفِيفٌ مَفْرُوقٌ فاؤُهُ واوٌ وعَيْنُهُ قافٌ ولامُهُ ياءٌ، فَدَخَلَهُ تاءُ الِافْتِعالِ فَصارَتْ وقِيَ أوْ تَقِيَ، فَأُبْدِلَتِ الواوُ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ تاءً لِلْقاعِدَةِ المُقَرَّرَةِ في التَّصْرِيفِ: أنَّ كُلَّ واوٍ هي فاءُ الكَلِمَةِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها تاءُ الِافْتِعالِ يَجِبُ إبْدالُها - أعْنِي الواوَ - تاءً وإدْغامُها في تاءِ الِافْتِعالِ نَحْوَ اتَّصَلَ مِنَ الوَصْلِ واتَّزَنَ مِنَ الوَزْنِ واتَّحَدَ مِنَ الوَحْدَةِ واتَّقى مِنَ الوِقايَةِ وعَقَدَ هَذِهِ القاعِدَةَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎ذُو اللِّينِ فاتا في افْتِعالٍ أُبْدِلا وشَذَّ في ذِي الهَمْزِ نَحْوَ ائْتَكَلا
والِاتِّقاءُ في اللُّغَةِ: اتِّخاذُ الوِقايَةِ دُونَ المَكْرُوهِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎سَقَطَ النَّصِيفُ ولَمْ تُرِدْ إسْقاطَهُ ∗∗∗ فَتَناوَلَتْهُ واتَّقَتْنا بِاليَدِ
يَعْنِي اسْتَقْبَلَتْنا بِيَدِها جاعِلَةً إيّاها وِقايَةً تَقِيها مِن أنْ نَنْظُرَ إلى وجْهِها لِأنَّها تَسْتُرُهُ بِها، وقَوْلُ الآخَرِ: فَألْقَتْ قِناعًا دُونَهُ الشَّمْسُ واتَّقَتْ بِأحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٍّ ومِعْصَمٍ والتَّقْوى في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ: هي اتِّخاذُ الوِقايَةِ دُونَ عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن أمْرَيْنِ هُما: امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ.