أضواء البيان — الشنقيطي
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٤﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ .
بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا إلّا إلى قَوْمِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ نَبِيَّنا ﷺ أُرْسِلَ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ دُونَ اخْتِصاصٍ بِقَوْمِهِ ولا بِغَيْرِهِمْ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ لِأهْلِ كُلِّ لِسانٍ، فَهو ﷺ يَجِبُ عَلَيْهِ إبْلاغُ أهْلِ كُلِّ لِسانٍ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”إنَّ اللَّهَ فَضَّلَ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى الأنْبِياءِ وعَلى أهْلِ السَّماءِ، فَقالُوا: بِمَ يا ابْنَ عَبّاسٍ فَضَّلَهُ عَلى أهْلِ السَّماءِ ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ١، ٢] قالُوا: فَما فَضْلُهُ عَلى الأنْبِياءِ ؟ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٤]، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]،
فَأرْسَلَهُ إلى الجِنِّ والإنْسِ“، ذَكَرَهُ أبُو مُحَمَّدٍ الدّارِمِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“ كَما تَقَدَّمَ وهو تَفْسِيرٌ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْآيَةِ بِما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.