أضواء البيان — الشنقيطي
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى ۖ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٣٦﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآيَةَ.
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ نَبِيَّهُ إبْراهِيمَ قالَ: إنَّ مَن تَبِعَهُ فَإنَّهُ مِنهُ، وأنَّهُ رَدَّ أمْرَ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ إلى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، إنْ شاءَ اللَّهُ غَفَرَ لَهُ؛ لِأنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وذَكَرَ نَحْوَ هَذا عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وذَكَرَ عَنْ نُوحٍ ومُوسى التَّشْدِيدَ في الدُّعاءِ عَلى قَوْمِهِما فَقالَ عَنْ نُوحٍ إنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧]، وقالَ عَنْ مُوسى إنَّهُ قالَ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] والظّاهِرُ أنَّ نُوحًا ومُوسى عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ ما دَعَوْا ذَلِكَ الدُّعاءَ عَلى قَوْمِهِما إلّا بَعْدَ أنْ عَلِما مِنَ اللَّهِ أنَّهم أشْقِياءُ في عِلْمِ اللَّهِ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، أمّا نُوحٌ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى لَهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ:
﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وأمّا مُوسى فَقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ: ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]، فَإنَّهم قالُوا هَذا القَوْلَ بَعْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ العَظِيمَةِ المَذْكُورَةِ في الأعْرافِ وغَيْرِها.