أضواء البيان — الشنقيطي
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ .
كَلّا: زَجْرٌ عَنِ التَّلَهِّي والتَّكاثُرِ المَذْكُورِ، و ”سَوْفَ تَعْلَمُونَ“: أيْ حَقِيقَةَ الأمْرِ، ومَغَبَّةَ هَذا التَّلَهِّي، ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَكْرارٌ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ لا تَكْرارَ، لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الأُولى في القَبْرِ، والثّانِيَةَ يَوْمَ القِيامَةِ. وهو مَعْقُولٌ.
واسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى عَذابِ القَبْرِ.
وَمَعْلُومٌ صِحَّةُ حَدِيثِ القَبْرِ: «إنَّما القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ» .
والسُّؤالُ فِيهِ مَعْلُومٌ، ولَكِنْ أرادُوا مَأْخَذَهُ مِنَ القُرْآنِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ في الكَلامِ عَلى سُورَةِ غافِرٍ، عِنْدَ: ﴿وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٥]، إثْباتُ عَذابِ القَبْرِ مِنَ القُرْآنِ.
وَكَذَلِكَ بَيانُ مَعْناهُ في آخِرِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩] .
وَهَذا الزَّجْرُ هُنا والتَّحْذِيرُ لَهم رَدًّا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في التَّكاثُرِ.
كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَلَسْتَ بِالأكْثَرِ مِنهم حَصًى وإنَّما العِزَّةُ لِلْكاثِرِ
وَأصْرَحُ دَلِيلٍ لِإثْباتِ عَذابِ القَبْرِ مِنَ القُرْآنِ، هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾؛ لِأنَّ الأوَّلَ في الدُّنْيا، والثّانِيَ في الآخِرَةِ.