تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿١٥٤﴾
تَأمل حال الكليم مُوسى عَلَيْهِ السَّلام وما آلت إليه محنته وفتونه من أول وِلادَته إلى مُنْتَهى أمره حَتّى كَلمه الله تكليما وقربه مِنهُ وكتب لَهُ التَّوْراة بِيَدِهِ ورَفعه إلى أعلى السَّماوات واحْتمل لَهُ ما لا يحْتَمل لغيره، فَإنَّهُ رمى الألواح على الأرض حَتّى تَكَسَّرَتْ أخذ بلحية نَبِي الله هارُون وجره إليه ولَطم وجه ملك المَوْت ففقأ عينه وخاصم ربه لَيْلَة الإسراء في شَأْن رَسُول الله وربه يُحِبهُ على ذَلِك كُله، ولا سقط شَيْء مِنهُ من عينه، ولا سَقَطت مَنزِلَته عِنْده بل هو الوَجِيه عند الله القَرِيب، ولَوْلا ما تقدم لَهُ من السوابق وتحمل الشدائد والمحن العِظام في الله ومقاسات الأمر الشَّديد بَين فِرْعَوْن وقَومه ثمَّ بني إسْرائِيل وما آذوه بِهِ وما صَبر عَلَيْهِم لله لم يكن ذَلِك.
ثمَّ تَأمل حال المَسِيح وصَبره على قومه واحتماله في الله وما تحمله مِنهُم حَتّى رَفعه الله إلَيْهِ وطهره من الَّذين كفرُوا وانتقم من أعدائه وقطعهم في الأرض ومزقهم كل ممزق وسلبهم ملكهم وفخرهم إلى آخر الدَّهْر.