تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية
أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ ﴿٨٩﴾
والوِكالَةُ يُرادُ بِها أمْرانِ. أحَدُهُما: التَّوْكِيلُ. وهو الِاسْتِنابَةُ والتَّفْوِيضُ.
والثّانِي: التَّوَكُّلُ. وهو التَّعَرُّفُ بِطَرِيقِ النِّيابَةِ عَنِ المُوَكِّلِ. وهَذا مِنَ الجانِبَيْنِ. فَإنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يُوَكِّلُ العَبْدَ ويُقِيمُهُ في حِفْظِ ما وكَّلَهُ فِيهِ. والعَبْدُ يُوكِّلُ الرَّبَّ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
فَأمّا وكالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ، فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]
قالَ قَتادَةُ: وكَّلْنا بِها الأنْبِياءَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ ذَكَرْناهم - يَعْنِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ - وقالَ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: مَعْناهُ: إنْ يَكْفُرْ بِها أهْلُ الأرْضِ، فَقَدْ وكَّلْنا بِها أهْلَ السَّماءِ وهُمُ المَلائِكَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هُمُ الأنْصارُ أهْلُ المَدِينَةِ.
والصَّوابُ: أنَّ المُرادَ مَن قامَ بِها إيمانًا، ودَعْوَةً وجِهادًا ونُصْرَةً. فَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ وكَّلَهُمُ اللَّهُ بِها.
فَإنْ قُلْتَ: فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ أحَدًا وكِيلُ اللَّهِ؟
قُلْتُ: لا. فَإنَّ الوَكِيلَ مَن يَتَصَرَّفُ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِطَرِيقِ النِّيابَةِ. واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا نائِبَ لَهُ، ولا يَخْلُفُهُ أحَدٌ، بَلْ هو الَّذِي يَخْلُفُ عَبْدَهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ أنْتَ الصّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأهْلِ».
عَلى أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يُطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ ما وكَّلَهُ فِيهِ، ورِعايَتِهِ والقِيامِ بِهِ.
وَأمّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَهو تَفْوِيضُهُ إلَيْهِ، وعَزْلُ نَفْسِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ، وإثْباتُهُ لِأهْلِهِ ووَلِيِّهِ. ولِهَذا قِيلَ في التَّوَكُّلِ: إنَّهُ عَزْلُ النَّفْسِ عَنِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقِيامُها بِالعُبُودِيَّةِ. وهَذا مَعْنى كَوْنِ الرَّبِّ وكِيلَ عَبْدِهِ؛ أيْ كافِيَهُ، والقائِمُ بِأُمُورِهِ ومَصالِحِهِ؛ لِأنَّهُ نائِبُهُ في التَّصَرُّفِ. فَوِكالَةُ الرَّبِّ عَبْدَهُ أمْرٌ وتَعَبُّدٌ وإحْسانٌ لَهُ، وخِلْعَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، لا عَنْ حاجَةٍ مِنهُ، وافْتِقارٍ إلَيْهِ كَمُوالاتِهِ.
وَأمّا تَوْكِيلُ العَبْدِ رَبَّهُ فَتَسْلِيمٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وقِيامٌ بِعُبُودِيَّتِهِ.