×
الأنعامالآية ١٠٣

تفسير ابن القيم — ابن قيم الجوزية

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ ﴿١٠٣﴾

فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته وقوله ﴿لا تدركه الأبصار﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك وقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه فإنه لم يخلقهم في ذاته بل خلقهم خارج عن ذاته ثم بأن عنهم باستوائه على عرشه وهو يعلم ما هم عليه فيراهم وينفذهم بصره ويحيط بهم علما وقدرة وإرادة وسمعا وبصرا فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا. وتأمل حسن هذه المقابلة لفظا ومعنى وبين قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصار﴾ فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، وللطفه وخبرته يدرك الأبصار، فلا تخفى عليه فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته، العالي في قربه، القريب في علوه، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾. (فصل) (قصور المعتزلة في فهم كلام الله) ومن أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في ﴿لن﴾ وطوله في ﴿لا﴾ يعلم الموفق قصور المعتزلة في فهم كلام الله تعالى حيث جعلوا ﴿لن﴾ تدل على النفي على الدوام واحتجوا بقوله: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن. وتأمل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك بـ ﴿لا﴾ الدالة على طول النفي ودوامه فإنه لا يدرك أبدا وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق وكيف نفى الرؤية بـ ﴿لن﴾ فقال: ﴿لَنْ تَرانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بـ ﴿لن﴾ بقوله وقالوا: ﴿يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ فهذا تمن للموت فلو اقتضت ﴿لن﴾ دوام النفي تناقض الكلام، كيف وهي مقرونة بالتأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد والتأبيد المطلق فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة مقيد كقولك: والله لا أكلمه أبدا والمطلق كقولك والله لا أكفر بربي أبدا وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا ولم يتعرض للآخرة أصلا وذلك لأنهم لحبهم الحياة وكراهتهم للجزاء لا يتمنون وهذا منتف في الآخرة فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله لا كَفَهْم المحرفين له عن مواضعه. قال أبو القاسم السهيلي: على أني أقول إن العرب إنما تنفي بـ ﴿لن﴾ ما كان ممكنا عند المخاطب مظنونا أنه سيكون فتقول له إن لن تكون لما ظن أنه يكون لأن ﴿لن﴾ فيها معنى أن وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن كأنه يقول أيكون أم لا. قلت في النفي لن يكون وهذا كله مقول لتركيبها من لا وإن وتبين لك وجه اختصاصها في القرآن الكريم بالمواضع التي وقعت فيها دون ﴿لا﴾.